logo
 بحـث    
 
 
اقرأ أيضا   
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

سوسن الخليلي.. قصر قامتها لم ينل من علو همتها
2011/4/17

 

غزة: مرح يحيي

 

في القطاع الفلسطيني المحاصر إذا ما تحدثت عن تحدي الإعاقة تواجه سيلاً جارفاً من النماذج المشرقة التي لا تضيرها إعاقتها أبداً ولا تكون سبباً لليأس والتواري خلف غمامات سوداء من حزن وضيق وألم نتيجة نظرة قاسية من مجتمع أحياناً لا يرحم ضعيفاً .

سوسن الخليلي كانت واحدة ممن يصنفون في فئات المجتمع ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة لكنها برزت بين أكثر من سبعين ألف معاق في قطاع غزة كأنشط الفتيات اللاتي يمارسنَّ نشاطاً طوعياً على مدار سنوات طوال بعد أن أنهت دراستها الجامعية وتفرغت لتدريب الفتيات في مختلف المجالات والقضاء على الإعاقة واليأس والنظرة السلبية من قبل المجتمع، وذلك عبر الإنتاج والتفاعل الإيجابي.

وإذا ما خضت الحديث في سماتها الشخصية ففي عينيها تقرأ طموحاً يزداد توهجاً كلما حصلت على جائزة وعلى لسانها تتردد عبارات الأمل والفخر بما حققت بإرادتها وفي قلبها نبض حنين لطفولة عاشتها بألم نتيجة قصر قامتها وتجاوزتها بأمل راسمة لنفسها واقعاً ومستقبلاً جديداً عنوانه التميز والإبداع ففي كل مكان ارتادته للتدريب والتعلم تركت بصمة في التفوق الأخلاقي والعلمي لم تمحى رغم مرور سنوات العمر وما زالت تجني ثمارها.

ليس قصر قامة المرء أو طوله يحدد مكانته الاجتماعية وقدرته على الإبداع والتفاعل في المجتمع، فالإبداع له علاقة فقط بالقدرة على استخدام العقل والقدرة على تطوير المهارات، وهو ما نجحت سوسن الخليلي في إنجازه على مدار سنوات من العمل الطوعي في مجال خدمة المعاقين الفلسطينيين بقطاع غزة، تربت هذه الصغيرة في أسرة متواضعة الحال، وكان والديها يمنحانها الكثير من الحب والرعاية، وهي أيضا أسرتهن بشخصيتها الرائعة المميزة بالذكاء والعطاء، وكانت أيضا حياتها في المدرسة مميزة كونها دخلتها قبل السن المطلوب وذلك بسبب ذكائها .

 

ولأن السعادة لا تدوم طويلاً فما إن انتقلت سوسن إلى المرحلة الإعدادية حتى بدأت تشعر بمأساتها الحقيقية مع قصر القامة، كانت الفتيات في المدرسة إذا ما ترفعنّ لعام دراسي جديد يزداد حجمهن فتتمددن طولاً بينما تنظر لقامتها فتجدها على حالها لا تتطور فأدركت أنها مختلفة وسبب ذلك علة وراثية أثمرها زواج الأقارب، حيث كان والدها يعاني من نقص في هرمون معين ولم يتوجه إلى الأطباء إلا بعد فوات الأوان.

تقول سوسن: "كانت تلك الفترة من طفولتي محفوفة بالألم والدموع كوني مختلفة عن صديقاتي ولا أشبههن في قاماتهن ولكني سرعان ما أسلمت أمري إلى الله وأدركت أني سأبقى على هذه الحالة طيلة حياتي ولا بد من التأقلم مع واقعي وعدم التواري خلف غمامات الحزن خاصة وأن لديّ إمكانيات كثيرة يمكن أن تمثل لي نقاط قوة لأكون فاعلة في محيطي المدرسي والاجتماعي".

وتتابع الفتاة قائلة: إنها أكملت مشوارها الدراسي بمزيد من التفوق والنجاح العلاقات المميزة مع المدرسين ومديرة المدرسة، وأن إعاقتها كانت دافعاً لأن تحقق التميز في الدراسة والأنشطة اللا منهجية بالمدرسة فكانت لا تترك نشاطاً إلا وشاركت فيه خاصة إذا ما تعلق بالإذاعة المدرسية والإنشاد.

وتضيف سوسن: "كانت أسعد لحظاتي في المرحلة الثانوية عندما فاجأتني مديرة المدرسة بترشيحي لأداء فقرة إنشادية بمناسبة الاحتفال بعيد الأم، وقتها لم أجد أجمل من أغنية الراحل عماد عبد الحليم "أنا مهما خدتني المدن"، تشير الفتاة أنها أدتها بإحساس قوي جعل الحضور يصفق طويلاً بعدما انتهت من الأداء وتضيف أن سبب أدائها المتميز أنها استحضرت وجه أمها وتضحياتها وكم الآلام التي تحملتها من أجلها فخرجت بأصدق إحساس.

 

"الثانوية" رحلة أمل جديدة

بعد الثانوية العامة توقفت سوسن قليلاً عن استكمال دراستها الجامعية ليس لسبب سوى إغلاق الجامعات الفلسطينية وقتها لكنها ما لبثت أن تابعتها بعد عودة السلطة الفلسطينية وإعادة فتح الجامعات فدرست الحقوق بجامعة الأزهر بغزة وكان عنوانها أيضاً التفوق والتميز، تؤكد الفتاة أنها أثناء توقفها عن الدراسة لم يتوقف نشاطها المجتمعي فكانت مهتمة بأن تتعلم العديد من الفنون كالتجميل وتصفيف الشعر فبرعت فيه بالإضافة إلى اهتمامها بتدريب الفتيات على مختلف فنون الأشغال اليدوية بعد أن أنهت دورات عدة في هذا المجال كالرسم على الزجاج والتطريز وغيرها.

وتقول سوسن: "كنت أهتم بزيارة المؤسسات التي تعني بذوي الاحتياجات الخاصة للتعرف على برامجهم والالتحاق بها لتحقيق مبدأ التفاعل والمشاركة المجتمعية الذي تؤمن به وتنادي به أيضاَ" وتضيف أن المؤسسات في وقت لاحق كانت من تطلب منها الحضور للمشاركة في تقديم برامج الاحتفالات والمهرجانات التي تقيمها لتميزها في الكتابة بحس أدبي والإلقاء بحس إنساني عال.

 

الاتحاد العام للمعاقين

من نجاح إلى آخر ومن إتقان مهارة إلى أخرى ومن حضور متميز إلى آخر أكثر إبداعاً كانت تنتقل سوسن متحدية كافة العقبات والنظرات القاسية التي كانت تواجهها في عيون الناس إن لم تتحدث بها ألسنتهم لكنها استطاعت أن تبرهن أن صاحب الإعاقة من لا يمتلك عقلاً مفكر وليس جسداً معافىً، فكم من جسد لم يستطع الوصول  إلى ما وصلت إليه بإرادتها القوية وإصرارها المتميز ونشاطها الفعّال في مجال الإعاقة.

تؤكد سوسن أن تفعيل وتنشيط ذوي الإعاقة وجسر العلاقات الرصينة التي بنتها مع المعاقين والمسئولين في مؤسسات الإعاقة الحكومية والخاصة جعلها تقرر الترشح لتولي منصب إداري في الاتحاد العام للمعاقين في قطاع غزة وكان لها ما أرادت في العام 1999 حيث انتخبت أمين سر الاتحاد وما زالت تعمل كمتطوعة حتى الآن في ذات المنصب بعد أن أعيد انتخابها لأكثر من مرة نظراً لكفاءتها وبراعتها في مجال الإدارة ناهيك عن نشاطها واهتمامها منقطع النظير بالمعاقين سواء على مستوى التدريب والتأهيل أو على المستوى الإنساني والتفاعل الاجتماعي.

 

نشاط بارز وجوائز عديدة

لم يقف طموح سوسن عند  الحصول على أمانة سر الاتحاد العام للمعاقين كمتطوعة بالانتخاب النزيه فقد تعداه إلى أبعد مدى، العلم لديها لم ينته عند الحصول على الشهادة الجامعية من كلية  الحقوق بجامعة الأزهر والنشاط الإبداعي لم يقف عن تقديم برامج الاحتفالات الخاصة بالمعاقين بل تجاوز ذلك فحصلت من العلم على شهادة دبلوم مهني في علوم المحاسبة الحديثة والكمبيوتر عبر المؤسسة الفلسطينية للتدريب وكانت واحدة ممن أبدعوا بألوانهم وريشاتهم لوحات تشكيلية راقية على الزجاج والفخار والجرانيت والخشب ناهيك عن إبداع لوحات التراث الفلسطيني عبر فن التطريز الذي أتقنته بإبداع وتميز، ولعل اهتمامها بتدريب وتفعيل المعاقين والكشف عن طاقاتهم الإبداعية الكامنة في الفنون جعلها تعمل على تأسيس نواة الورشة الفنية في المركز الوطني للتأهيل المجتمعي.

وحصلت سوسن على العديد من الجوائز وشهادات التميز والتقدير، فقد حصلت على شهادات وميداليات متنوعة من بينها الميداليات الرياضية، وشهادات التميز والإبداع في مجال الرسم والتشكيل إلى شهادات تكريمية على النشاط الاجتماعي وشهادات أخرى عن مشاركة متميزة في مخيمات رياضية دولية ومسابقات ثقافية وأعمال مسرحية فنية تتحدث عن معاناة المعاقين وهمومهم وما يواجهونه من إهمال وتقصير تجاه قضاياهم.

ولم يكن غريباً أن يتم اختيارها من بين آلاف المعاقين عام 2010 لتحصل على جائزة فلسطين الدولية للتميز والإبداع عن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة كونها لم تترك مجالاً فنياً ولا أدبياً ولا رياضياً ولا اجتماعياً إلا وضعت بصماتها المميزة فيه.

بمزيد من الفخر والسعادة التي تبرق في عيونها تحدثت بالتفصيل عما حققته من إنجازات تضاف لرصيدها الإنساني قبل المهني وفق رؤيتها، البداية كانت مع أمانة سر الاتحاد العام للمعاقين بغزة في العام 1999 ومن ثمَّ توالت الإنجازات في المجالات الأدبية والفنية والرياضية ففي العام 2008 حسب ما أوردت حصلت على جائزة المرأة المبدعة في مجال الرسم وفي العام 2009 حصلت على المركز الأول لبطولة تنس الطاولة عن فئة المعاقين حركياً "وقوف" من الإناث ومن قبل نالت الميدالية الذهبية 2000 من جمهورية مصر العربية وفي عام 2006 من اللجنة الأولمبية لاتحاد رياضة المعاقين.

 وتشير سوسن إلى أن العام 2010 شهد تكريمها بشكل لافت من عدد كبير من المؤسسات المحلية والدولية فضمن المهرجان الوطني لتكريم المتطوعين "عونه" حصلت على لقب الفتاة المثالية نتيجة للعمل الريادي في العمل التطوعي على مدار سنوات طوال أوصلت فيها صوت المعاقين وعمدت إلى المطالبة بحقوقهم المشروعة وعملت دون كلل أو ملل على نشر قضاياهم ومثلتهم أمام المسئولين وصناع القرار في الداخل والخارج في دول عربية وأوروبية عبر المشاركة في نشاطات رياضية وفنية.

وتلفت الخليلي إلى أن الحدث الأبرز في العام 2010 هو حصولها على المركز الأول في جائزة فلسطين الدولية للتميز والإبداع عن فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، ناهيك عن جوائز أخرى على مدار عملها التطوعي كجائزة مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان في المسابقة الأدبية والثقافية في مجال كتابة الشعر، وكذلك جوائز ذهبية لبطولات رياضية في ألعاب القوى للمعاقين فحصلت على المركز الأول لمسابقة رمي القرص ودفع الجلة لفئة f40، المنعقدة برعاية اللجنة البارالمبية الفلسطينية مع ممثلية الاتحاد الأوروبي ومؤسسة ميرسي كور والديكونيا/ناد.

 

مطالب مشروعة

نشاطها الجميل المزدان بالإيمان والصبر رشحها لأن تكون سفير غزة للعالم للمشاركة في الفعاليات الدولية وذلك منحها الشرعية للتعبير عن مطالب المعاقين وحقوقهم.

ومن أبرز المطالب التي ركزت عليها سوسن، هي:

-       تطبيق قانون المعاق رقم 4 لعام 1999.

-       أن تشكل مؤسسات المعاقين قوة ضاغطة على الحكومة لمنحهم حقوقهم وألا يقتصر دورها على الوساطة بين المعاق ووزارة الشئون الاجتماعية لمجرد الحصول على مساعدات مالية أو طرود غذائية.

-        ضرورة أن تهتم المؤسسات بوضع برامج وخطط مستقبلية لتأهيل المعاقين مهنياً وتعليمياً من أجل دمجهم في المجتمع وخلق إنسان مبدع تتحول الإعاقة لديه إلى طاقة خلاقة.

 

إبداع العقل لا الجسد

تؤمن سوسن أن الإبداع محله العقل وليس الهيئة والجسم المعافى فقط، وأن الإيمان بالله والصبر والرضا عن الذات أهم ما يوصل الإنسان المعاق إلى الإبداع إذا ما امتلك عقلاً مفكراً وذكاءً حاداً ونفساً طموحة تواقة إلى النجاح، لذلك كانت محط اهتمام واحترام من كل من التقت بهم.

يقول بحقها رئيس الاتحاد العام للمعاقين عوني مطر أنها نموذجاً إبداعياً للمعاق فهي على حد تعبيره بارعة في أمور الإدارة ولها فعالية وأيدي وباع طويل في مجال الإعاقة وأن تميزها لم يكن في مجال محدد بل كان شمولياً لمختلف المجالات الأدبية والفنية والثقافية والرياضية، مؤكداً أنها تستحق كل تقدير.

أما محمد العربي رئيس نادي السلام للمعاقين، والذي تشغل فيه سوسن منصب نائب الرئيس، فيؤكد أنه ليس غريباً أن تتميز سوسن وتبدع في مختلف المجالات فهي ذكية فطنة، تفكيرها مشرق بالأمل ويومها مزدحم بالعمل الجاد لخدمة فئة المعاقين التي تواجه قصور وإهمال من قبل المجتمع ومؤسساته الحكومية.

ولا يختلف عنهما في تقديره ، د. يحيى السراج عميد الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في غزة والذي أكد أن تميزها نابع من مواهب وإمكانيات أودعها الله بها أثرتها بعزيمة وإرادة قوية وإيمان وصبر مما أوصلها إلى الإبداع والتميز، وأضاف أن كليته على جاهزية تامة للتعاون معها من أجل تقديم مزيداً من الإبداع والتميز في مجال ذوي الاحتياجات الخاصة والشعب الفلسطيني عامة.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى