logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

صديق فيتوريو أريغوني يروي "حكاية البطل"
2011/6/26

 

فلسطين/ ميرفت عوف

 

على متن سفينة "غزة الحرة" لفك الحصار عن غزة جاء فيتوريو أريغوني في  العام 2008، حاملاً رسالة الانتصار للعدالة والعيش بكرامة لفلسطينيّ القطاع المحاصر، محققاً لشعاره الذي دونه كتابا ً"كن إنساناً".

في رحاب القطاع جمعته بالأطفال علاقة ود ومحبة فكان كما هم بريئاً في ابتسامته شقيّاً في لهوه حنوناً في تضميده لجراحاتهم وآلامهم النفسية بعد حرب الرصاص المسكوب، ومع الصيادين خاض معركة حرية وكرامة في عرض البحر ليمكنهم من الحصول على لقمة عيشهم وصغارهم رغم تهديدات المحتل له وتعقبهم أيضاً له بمحاولات القتل المباشر، ومع المزارعين نقش عهد المقاومة على ساعده الأيمن وامتشق حسام المخاطرة ليصل بهم إلى أراضيهم في مناطق التماس مع الاحتلال ليزرعوها ويجنوا ثمرها ويأكلوا من رزقها، لم يرد من ذلك شهرة بين المتضامنين الذين جابوا البحر وصولاً إلى غزة على مدار سنوات الحصار، ولم يبغِّ تمثيلاً لبلده  إيطاليا كسفير للنوايا الحسنة، فقط أراد أن يكون سفيراً للحق والحرية والكرامة التي آمن بأن جميع الناس في الحصول عليها سواسية.

"القدس" يرثي في السطور التالية أول المتضامنين الدوليين الذين قضوا على تراب فلسطين بأيد غدر تبرأ الفلسطينيون منها، يستوضح من صديقه المقرب خليل شاهين بعض من تفاصيل حياته الإنسانية في قطاع غزة وينقل عبره رسالته وحلمه الذي عاش وقضى لأجله.

 

 

كن إنسانا

على مدار سنوات ثلاث استطاع أريغوني أن يكون إنسان يحمي الحقوق ويبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق العدالة التي جاء بها كهدف أراد أن ينعم به الفلسطينيون المحاصرون.

 كان بحر غزة أول ما وقعت عليه عيناي فيتوريو حين قدم إليها متضامناً مع العشرات من المتضامنين من جنسيات وبلدان مختلفة عبر سفينة "غزة الحرة" فربطته به علاقة حميمة وبأهله من الصيادين التحم قلباً وقالباً فاجتهد في حمايتهم وتمكينهم من ممارسة مهنتهم بحرية رغم تهديدات الاحتلال وتعقبه أيضاً له.

يقول خليل شاهين: فيتوريو أو فيكتور - كما يحلو للفلسطينيين في القطاع مناداته-  سعى من خلال دعم الصياديين الفلسطينيين في مواجهة ممارسات الاحتلال إلى تجديد شعاره "كن إنساناً" وأضاف أنه قبل ليلة واحدة من اختطافه ومن ثمَّ قتله بأيدِّ غادرة خطط لتسيير قارب في عرض البحر يجمع مراقبين متطوعين دوليين لحماية الصيادين أثناء قيامهم بعملية الصيد، ويستكمل "كان ذلك العمل أهم المشاريع التي سعى فيتوريو من خلاله حماية حقوق قطاع الصيادين في قطاع غزة".

يصمت شاهين قليلاً ويغيب صوته خلف الصمت يؤكد بعدها أن فيتوريو تعلق بهموم الصيادين ولامس أحلامهم البسيطة من خلال علاقاته الوطيدة بنقابة الصياديين وجمعية الصياديين في قطاع غزة ومن حكايات الألم والمعاناة التي شقت مسامعه من أصدقائه الصياديين فحاول أن يفعل لهم شيئاً، ويتابع أنه في سبيل حمايتهم وتمكينهم من الصيد بحرية جعل جسده درعاً بشرياً في عرض البحر، لافتاً أنه لم يسلم من احتقانات مع قوات الاحتلال البحرية ولم يسلم أيضاً من محاولات اعتداء وأخرى قتل مباشر، ولعل فيتوريو لم يفعل ذلك إلا لإيمانه أن ما يقوم به شكل من أشكال المقاومة السلمية وحلقة من حلقات الدفاع عن الحقوق وجزء من رسالة الإنسانية وتحقيق العدالة والعيش بكرامة التي يحملها ويؤمن بها.

 

واحتل الأطفال الفلسطينيين في قطاع غزة من اهتمام فيتوريو مكاناً فاستوطنوا ببراءتهم وعفويتهم قلبه ولبٌّه وجمعته بهم على شاطئ البحر لقاءات المرح والفرح وعلى أسرة الشفاء لقاءات المعاضدة والمؤازرة، يؤكد صديقه شاهين أن فيتوريو أحب الأطفال كثيراً وأضاف قائلاً:"على الرغم من أنه شخصية جدية في حياته العملية إلا أنه مع الأطفال طفلاً وديعاً يسعى بكل ما أوتي من خبرة أن يرسم ابتسامة السعادة والأمل على ثغورهم الحزينة" ويشير إلى أنه ارتبط بعشرات علاقات الصداقة مع الأطفال الذين تعرضوا لإصابات خلال حرب الرصاص المسكوب على غزة، كان يحتضنهم بقلبه الكبير ويجدد الأمل في قلوبهم بأن الأمل والنصر لغزة قادم.

بين بسمةٍ ودمعة

وبين ابتسامةٍ ودمعة تراوحت المواقف التي مرَّ بها فيتوريو في القطاع المحاصر، فمع أهلها وفي أحلك ظروف عيشهم وأعنف مرات الاستهداف لهم من قبل الاحتلال بالقتل والتدمير والخراب انسابت من عينيه دمعات القهر، وفي ساعات فرحهم القليلة ارتسمت على ثغره بسمات الفرح، وكثيراً ما كان هو صانع الابتسامة للتخفيف قليلاً عمن حوله.

فيتوريو وبحسب شهادة صديقه شاهين:"كان جدياً في جوهره لكنه مرحاً جداً في تعاملاته مع الآخرين يجتهد في أن يرسم ابتسامة أمل على وجوه من حوله خاصة الأطفال وضحايا الحرب"، ويستعيد شاهين موقف لفيتوريو لن يمحى من ذاكرته تفاصيل تدور في حلبة مناقشة مع ابنه أمير الذي لم يبلغ 12 عاماً حول كرة القدم والبطولات الأوروبية وبخاصة فريق برشلونة الذي يشجعانه كليهما، يقول شاهين:"كان إذا أحب معرفة أي تفاصيل فاتته من لقاء رياضي اتجه إلى ابني أمير فيخبره بموجز ويبدءا بالعراك الكلامي وأحياناً يخوضا عراك الأيدي خاصة بعد أن يستفزه أمير بأن برشلونة مثلاً ستُغلب بخمسة أهداف مقابل لا شيء لها" يشير أن تلك أن ذلك الموقف يثير ضحك فيتوريو وأمير على حد سواء لأنهما يتداركا أخيراً أنهما مشجعان لفريق واحد، ومن المواقف المضحكة لفيتوريو أيضاً أنه كان إذا أراد التحدث عن أمر صعب ولم يجد في قاموس لغته العربية المحدود كلمة يقول ضاحكاً"big مُشكِل" وكان أصعب ما يمر به من حالة ألم وحزن دفين حين يتناهى إلى مسمعه أن الاحتلال نفذ عملية عسكرية هنا أو هناك ونتج عنها ضحايا "عندها يتحرك فوراً إلى المكان ليرصد الحالة ويوثقها ويواسي من بقيَّ حياً من أهالي الضحايا".

نظرة ثاقبة

ويشير شاهين أن فيتوريو كان ذو نظرة ثاقبة فيما يتعلق بأمور الضحايا الذين يسقطوا جراء الاعتداءات الصهيونية، ويضيف أنه قبل عملية اختطافه بحواليّ عشرين يوماً كان يتحدث عن وعود رئيس وزراء بلده إيطاليا لنتنياهو ببذل كافة جهوده من أجل منع والتأثير على المتضامين الأوروبيين لعدم انطلاقهم باتجاه قطاع غزة في سفن فك الحصار، كان يرى أن تلك الوعود تنم عن مصلحة مشتركة بين رئيس وزراء بلاده ونتنياهو فالأخير عبر تأثيره على الإعلام الصهيوني في أوروبا سينقذ رئيس الوزراء الإيطالي من فضائحه، واستنتج وقتها أن رئيس الوزراء الإيطالي بالتعاون مع نتنياهو سيقدمون على عمل غريب من نوعه يؤثر على استعداد وجاهزية المتضامين في وصول إلى قطاع غزة المحاصر، واستطرد قائلاً:"في اليوم الذي سبق عملية اختطافه تناقشنا مجدداً في الموضوع وكان يفكر في الكتابة حول الموضوع وفجأة شرد بذهنه ثم قال لي ضاحكاً بلهجته العربية المتكسرة "ممكن سلفيت –نسبة إلى السلفية- " فاستغربت كثيراً وقتها" يقول شاهين ويضيف بعد اختطافه أيقنت بعد نظره، وحسه الثاقب.

من ناحية أخرى يشير شاهين إلى أن فيتوريو لم يشعر على مدار سنوات مكوثه في غزة بالخطر يحدق به فكان محباً ومحبوباً أيضاً، لافتاً إلى أنه في الآونة الأخيرة كان يضغط عليه من أجل السفر لإيطاليا لزيارة والده المريض فكان جوابه دوما ًأن هناك من يهتم بوالدي لافتاً إلى أنه أجل سفره من أجل انشغاله بالتجهيز والإعداد للقارب الذي سيقل متضامنين ومراقبين في عرض البحر لإطلاعهم على معاناة الصيادين ومحاولة حمايتهم أثناء قيامهم بعملية الصيد في عرض البحر.

أحلام بلا نهاية

تمنى فيتوريو أن يرى شعار"كن إنسان" قائماً في كل التعاملات البشرية مع القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني المحاصر، ويوضح شاهين أن المخاطر التي كان يتعرض لها فيتوريو في قطاع غزة ومن قبل ذلك في الضفة الغربية كانت تهون عليه كثيراً من أجل أن يحقق ذلك الشعار الذي بات هدف ورسالة له في الحياة، يستطيع من خلال تطبيقه مساعدة الفلسطينيين في نيل حقوقهم والتعبير عن عدالة قضيتهم والانتصار لضحاياهم ويرسم بسمة على وجوه أطفالهم ويمنحهم بعض الأمل بأن الغد سيحمل لهم عيشاً كريماً.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى