logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

حامد ربيع: عالم وأمة وقضية
2010/7/29

د.سيف الدين عبد الفتاح
عالم أشخاص الأمة، هو العالم الذى يزكى الأمة ومعانيها ومضامينها فى الوعى والسعى، ومن ثم سنجد فى القرآن الكريم {إن إبراهيم كان أمة قانتاً لله} فالشخص الأمة هو الذى يحمل رسالة وهو معلم الخير، وهو الصالح المستمسك بأمته وعقيدته إذا فسد الناس وعياً وسعياً.
هذه المعانى تتداعى حينما نحاول أن نسلط إضاءات حول معالم أشخاص الأمة، خاصة حينما نتحدث عن علماء الأمة المعاصرين الذين جعلوا الأمة قبلتهم فى البحث والكتابة والتأليف، وحملوا همها فى عقولهم وكيانهم، ومن هنا لم يكن مستغرباً أن يسطر قلمه سلسلة من المقالات أسماها "أمتى والعالم"، والتى كانت ملهمة لهذا التقرير وما يتضمنه من اهتمام فى المبنى والمعنى والمغزي، فكان "أمتى فى العالم"، الأمة بواقعها وتحدياتها، والأمة بإمكاناتها وطاقاتها، الأمة فى مستقبلها وواقعها الواهن، وذاكراتها التاريخية والحضارية الدافعة الناهضة.
بدأ حامد ربيع كعالم يتحدث عن جوهر وظيفة العالم فى أمته: يتحيز لها، وينحاز لقضاياها، ويعلن عن انتمائه لهذه الأمة مفتخراً بذلك، ولكن ليس ذلك النوع من الفخر الذى يقعده متغنياً بمجدها الغابر، أو بماضيها الذهبى، أو البكاء على أطلالها، وإنما يبحث عن الحى فى الأمة فى عالم أفكارها وحياتها وفاعلياتها يبحث عن ضرورات الإحياء ومساراته فيها، إنها أمتى والذى عبر عنها بضمير الملكية، لا كتعبير عن ملكيته لها، بل كتعبير عن امتلاكها له، فملكت عليه عقله وكتاباته وبتعبيرات وشعارات واضحة لا لبس فيها، حمل ضمير المتكلم عن أمة من دون أن يغيب هو عن أمته، أو تغيب هى عنه، فأعطى للضمائر حقها فى كتاباته ليعبر عن أقرب درجات الانتماء لأمته، أمته وفق هذا التعبير معنى يخصه، وهمٌّ يملأ عليه عقله، وقبلة يتوجه إليه بكتاباته.
وهو بهذا التعبير جعل من كل عالم لا يعتبر هذه الأمة "أمتى" بأقرب الضمائر وأوثقها صلة بين الشخص والأمة لا يستحق هذه الصفة، ووجه كل سهام النقد إلى هؤلاء الذين انفصلوا عن الأمة مهما استخدموا من ضمائر هى في النهاية غريبة عن كيانهم وعن جوهر الانتماء المفترض أن يتوجهوا إليه، إنها عقول مهاجرة حتى لو ظلت فى الأمة فى المكان، ولكن تفكيرها ورؤيتها وقبلتها ظلت خارج الوطن، وفى اتجاه لايعبر عن وجهته، الأمة ظلت بالنسبة لهؤلاء "تهمة" يريدون أن يتبرأوا منها، وورطة رغبوا فى الخروج منها، وعقدة أملوا فى التخلص منها، وبدأ هؤلاء يتحدثون بكل ضمائر الغائب عن أمتهم وقضاياها، ووجدوا فى الآخر حياة لها أو إحياء، أما هى فى ذاتها أو فيما تملك ليست بالأمر الذى يستأهل أن نقف عنده، أو نقاتل من أجله.
اعتبر هؤلاء أن ياء الاختصاص والمتكلم الحاضر فى "أمتى" تحيزاً مفرطاً وتعصباً قميئاً وشوفينية، وأن ذلك ليس إلا خروجاً عن وعلى الموضوعية فبدأ العالم الأمة الدكتور حامد ربيع يعلمهم معنى "الضمير" فى أمتى، إنه التزام بالأمة وقضاياها وهمومها، إنه التزام بإمكاناتها وطاقاتها الدافعة، إنه التزام بحركاتها الإيجابية وفاعليتها، إنه التزام بأصول ذاكرتها الحضارية الحافزة الدافعة الرافعة، إنه التزام بإحياء كل ما يعينها على البقاء والحياة والشهود، إنه التزام يسعه عقله وقلمه تحرك فى العالم كل معانى الكفاحية، حينما أكد على الوظيفة الكفاحية للعالم والوظيفة الحضارية للأمة.
وأبرز أن الاختصاص والحضور فى ضمير الياء "أمتى" ليس خروجاً على الموضوعية، بل هو عين الالتزام الموضوعى والاستقامة العلمية.
إذ أكد فى غير موضع أن قضايا الأمة لايبحث فيها بعمق، ولا يحمل همومها إلا أبناؤها، وأنه ليس من العلم أو الموضوعية بأى حال أن يتخلى العالم عن أمته وقضاياها أو أن ينفصل عن ذاكرتها ومصالحها، وليس من الموضوعية أو الحياد أن نقتفى دراسات غيرنا لنا، أو نتهافت على تقليدها، حتى لو كانت مغرضة، وإن تسربلت بالمنهج وتدثرت بالحديث عن الموضوعية.
ماذا عنى حامد ربيع بأن تسترد الجامعات بعضاً من وعيها الحضارى فتتحول إلى مؤسسات حضارية، تهتم بقضايا الأمة وتعرف لها حقها، تحفز كل عناصر عمران الأمة وعمارتها فى بناء حضارى متكامل ومتوازن وفعّال ؟.
العالم الأمة لابد أن ينشأ فى وسط تمثله الجامعات الحضارية، فتترسم خطى ومعنى الرسالة فى العالم، والوظيفة والدور فى الجامعة.
والأمة فى "العالم" وفى ارتباطها به وتفاعلها فيه، تعنى أنه من أوجب الواجبات - وهى تبحث عن جوهر وظيفتها الحضارية والمعنوية - أن تكون فى العالم غير مقطوعة منه أو ممنوعة عنه، إنه معنى الأمة فى الحضور والشهود لا معنى المغيب وعدم الفاعلية.
وفى إطار ذلك الفهم الوعى تحركت ثوابته الحضارية ورسالة العالم الكفاحية لتتفاعل لتخرج أجندته البحثية، والتى حار البعض فى تفسير مكوناتها أو مكنوناتها أو الاجتهاد فى تبين الناظم الكامن فيها أو بينها فهو تارة يتحدث عن التراث، وتارة أخرى عن القيم، وعن الدعاية والاتصال وعن السياسة الخارجية وعن التحليل السياسية وعن التطور السياسى، وعن علم السياسة بكل فروعه وتجلياته، وهو يتحدثعن الصهيونية وعن النظام السياسى الإسرائيلى (من يحكم فى تل أبيب -النموذج الإسرائيلى للممارسة السياسية)،
ويتحدث عن الصراع العربى الإسرائيلى وتأملاته فيه، وعن الحرب النفسية فى المنطقة العربية، وعن الدعاية الصهيونية، ويتحدث عن النفط العربى كإمكانية واستخدامه كسلاح سياسى يصب فى مصلحة الأمة وتقوية إمكاناتها وطاقاتها وعناصر فاعليتها، ويتحدث عن المنظومة العربية ويتحسس مفاصل الضعف فيها، ويتحدث عن الإسلام (جوهر هوية أمته) والقوى الدولية وعن أمته أمة القيم، وذاكرة الأمة فى تراثها الحى ضمن سلوك المالك فى تدبير الممالك، والغزو الصهيونى وإرادة التكامل القومى - تحركت هذه الأجندة بكل موضوعاتها لتحفز كل مناطق الفاعلية فى كيان الأمة، فهو تارة يذكر الأمة بإمكاناتها ويبصرها بوجهتها الحضارية الثابتة وبقصدها الخالد، وهو تارة يحذرها من خصومها وأعدائها، ويلفت نظرها إلى هدر إمكاناتها فى الوعى والفعل فى الإمكانات والتفاعلات.
ومع موته وربما إثره بقليل - حدثت حرب الخليج الثانية أو زلزال الخليج كما يحلو للبعض أن يسميه، فأبرزت ومن غير عناء معنى ومغزى أجندته البحثية المتنوعة التى نظر البعض لها آنذاك بأنها تشتيت للطاقات الذهنية التى امتلكها، والإمكانات البحثية التى استوعبها، وعدم التركيز فى تخصص بعينه.
واكتشفنا بعد غيابه وتوقف قلمه أن طاقاته الذهنية اتجهت إلى هموم الأمة، وأن إمكاناته البحثية والعلمية قصدت وسخرت للكتابة فى وعن قضاياها، وأن تخصصه الأول والأخير الذى ملأ عليه عقله واستغرق قلمه هو الأمة، إن تخصصه فى الأمة: قضايا وموضوعات، مقاصد ومصالح، وسائط ووسائل، الوعى والسعى، التفاعلات والفاعليات، "الأمة" لم تكن له مجرد مجال للتحليل أو وحدات له، بل هى "تخصص" كرس له كل قدراته وإمكاناته وفاعلياته.
فهمنا فى حينها ما كان يعنيه بأمتى والعالم، وأمتى أمة القيم، وأمتى والقوى الكبرى، وسوف أظل عربياً، وما كان يشير إليه بإلحاح، والجميع يتحدثون عن سلام آت ورخاء قادم مترتب عليه، يتحدث هو وبأعلى صوت يحذر الناس والحكام والعلماء جميعاً، إنها الحرب القادمة، يستمع إلى دقات طبولها عن بعد واختلطت على الغافلين هل هى طبول "أفراح السلام" ؟ أو طبول حرب آتية قصد لها أن تتخفى وأن تأخذ أشكالاً أخرى ؟.
إنه يتحدث عن الحرب القادمة التى لن تكون ككل الحروب، والتى ستقع فى غير ميدانها المعتاد، وبأطراف ليست أطراف كل صراع بيننا وبين إسرائيل، حرب ربما لا تكون فيها إسرائيل طرفاً، ولكنها ستشن لمصلحتها، وستداخل فيها الأدوات تارة باسم السلام وتارة بسلسلة من حروب التقويض والتفكيك، وتمد الأطراف والالتفاف - إنها حرب تلفها عناصر التسميم السياسى، هذا التسميم سيهدم سلم الأولويات ويعدل فيه ويجعل القضية الأولى ربما العاشرة، إنه سيعيد ترتيب الوظائف وترتيب السلم فى إطار من غسيل المخ الجماعى، نفكر فى قضايانا بعقول غيرنا لا بعقولنا، ونبحث فى العالم المحيط بنا من علاقات وتفاعل عما يضرنا ولا ينفعنا.. هل يصل الأمر لذلك ؟، نعم - يقول العالم المكافح حامد ربيع - ويحدثنا عن أنواع من الحروب أشدها فتكاً الحرب المعنوية التى تفت فى عضد كيان الأمة فتخور قواه وتقضى طاقاته وتشل فاعلياته وتتوارى الإرادة، وتحل على الأمة معانى الكثرة الغثائية بلا فاعلية.
هل تعلمنا دروس الحروب القادمة المستمرة والمتنوعة والمتخفية، التى تشن على الأمة تارة باسم السلام وتارة باسم الأمن والاستقرار ؟
وبدا ذلك الصوت عن الحرب القادمة ضمن عقلية خارفة كاشفة صوتاً ربما الأوحد الذى يصرخ إنها الحرب، ولا تغرنكم طبول أفراح السلام التى لم تكن سوى إعلان حروب من نوع جديد، أكد وهو يعلمنا معنى الأمة فى ضمائرنا أن هذه الأمة لن تموت أبداً، بل هى تحمل عناصر تجددها الذاتى، بل إنها قد تتلمس معادلات "قوة الضعف" و"غطرسة القوة"، فيدرس كيان العدو الإسرائيلى ومكوناته وسياساته وتوجهاته.
ويتحدث عن قوة الداخل فى الأمة فى الفت فى عضد الكيان الإسرائيلى: إن الداخل مهما استخدم من أسلحة ضعيفة سيكون الأكثر نجاعة وفاعلية فى التأثير على غطرسة القوة الإسرائيلية، فكانت الانتفاضة التى أضفت على نفسها قوة كانت أهم معادلاتها الطفل الصغير الأعزل إلا من حجر كان رميه أرقاً وقلقاً وخوفاً للكيان الإسرائيلى بأسره، انتفاضة جمعت بين فن التماسك وتأسيس بنية تحتية لشبكة علاقات الانتفاضة، وبين عبقرية الحجر السلاح القادم والذى لم تقو ترسانة السلاح فى الجيش الإسرائيلى على مواجهة الطفل الصغير والحجر الصغير.
واستوعب كما لم يستوعب أحد معادلة الخروج بما نحن فيه ضمن أجندته البحثية الممتدة والموصولة والواصلة بين هموم أمته وطرائق مواجهتها، إن الإرادة القوية الجامعة لإمكانات وفاعليات الأمة، والعدة المتنوعة من إمكانات ووسائل وطاقات تترجم الإرادة إلى وعى إدراكى وسعى عملى فى التسيير لسياسات الأمة والتدبير لإمكاناتها وفاعلياتها، والتغيير لكل ما يشكل عناصر سلبية تضعف الأمة، والتمكين لكل عناصر الطاقة الإيجابية الفاعلة والدافعة والرافعة والجامعة التى تقوى أوصال الأمة وأصول فاعليتها وقدراتها.
هل بعد هذا تفهمنا معنى "الفكرة" فى الشخص ؟، الفكرة تبقى والشخص يموت، لكن قيمة الشخص بمقدار ما يسهم به فى عالم الأفكار الذى يسهم بدوره فى تشكيل العوالم الأخرى، العالم - الأمة، والعالم فى الأمة، والعالم للأمة عناصر مهمة جسدها الأستاذ الدكتور حامد عبد الله ربيع حينما حمل هم أمته فى عقله وسطرها فى كتاباته وتأليفاته ومقالاته، وحمل قلمه كأمضى سلاح يناجز به عن أمته ويذود به عن حياضها ويحمى به بيضتها.
إن كل ذلك لم يكن إلا بعض معانى "أمتى والعالم" الأمة فى دمه، وفى عقله، وفى كتبه وفى قلمه، وفى أفكاره ويموت العالم، لكن لم يمت معنى الأمة الذى حمله فى كيانه، إنه يطلب من كل عالم أن يعى كل ما يحمله ضمير الياء من اختصاص وحضور فى "أمتى والعالم"، وإذا كان حامد ربيع أصر على حضور أمته فى نفسه وقلمه كما أصر على حضورها فى العالم، فإننا يمكن أن نفهم لماذا اهتم هذا الرجل بالدراسات الإسرائيلية والدراسات الصهيونية وكل ما يتعلق بها ؟!
لماذا تحرك صوب دراسة من يحكم فى تل أبيب ؟ واستفاض فى النموذج الإسرائيلى فى الممارسة السياسية ؟ وتحدث عن أنماط الدعاية الإسرائيلية الصهيونية، وتحدث عما تمارسه إسرائيل من عناصر الحروب المعنوية، والحروب النفسية، وحروب التسميم السياسى، والغزو الصهيونى وحروبه للفت فى عضد إرادة التكامل الحضارى والقومى ؟
إننا حقاً فى حاجة لأن نستعيد عالم مفاهيمه فى ذلك المقام الذى يحرك كل معانى البناء لعقلية العزة والاعتزاز، حينما يتحدث عن أمته ويذود عن حياضها ويخاف على بيضتها ويرابط على أهم ثغورها، وهذه المقالة بداية لاستعراض هذا العالم من مفاهيمه التأسيسية فى هذا المقام، إنها المفاهيم الحافزة للعزة الطاردة للوهن، وهو العالم الذى يؤمن بوظيفة الكفاحية ... إنه يدخل كل معارك الأمة ممتشقاً قلمه يوضح هنا ويميز هناك، ويكشف عن مغزى، ويفرق بين المعانى، ويحدد الإدراكات والتصورات، ويدق الأسماع وكل أدوات نفيره الحضارى ويقول بأعلى صوت وبأوجع الكلمات وأكثرها حفزاً: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا فى سبيل اثاقلتم إلى الأرض}[التوبة/38].




الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى