logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

يوسف إسلام.. من مطرب بوب إلى داعية وناشط
2014/8/3

أحمد محمود
لم يكن يمكنُ لأحد أنْ يتصور أنْ يتحول مُغني البوب البريطاني من أصل يوناني "كات ستيفنز" أو "ستيفن ديمترى جورجيو"، إلى الداعية والناشط الإسلامي "يوسف إسلام"، الذي صار أحد أهم رموز الدعوة والعمل الإنساني ليس في وطنه بريطانيا فحسب، وإنما في العالم كله.
وإن دلت كانت هذه القصة على شيء، فإنما تدل على عظمة الإسلام، وقدرته على الانتقال بالإنسان من حال إلى حال، وإقناع الإنسان، أيا ما كانت خلفياته أو طبيعة حياته وتفكيره، وهو ما يؤكد ألوهية مصدر هذا الدين، وعلى شموله، بحيث يمكنه أنْ يقنع أي أحد كائنًا من كان.
ولذلك؛ فمن المهم للغاية دراسة قصة إسلامه للتأكيد على عدد من الحقائق في مواجهة شُبهات المُرجفين وأصحاب الأقلام المسمومة التي لا ترى في الإسلام سوى بعض التعاليم التي تدعو إلى العنف والإرهاب، والإسلام أبعد ما يكون عن ذلك، ودليلنا من قصة إسلام كات ستيفنز، أو.. يوسف إسلام.
كات ستيفنز
وُلِدَ ستيفن ديمتري جورجيو في لندن في الحادي والعشرين من يوليو من العام 1947م، لأبوَيْن مسيحيين، مختلفين مذهبيًا؛ حيث كان والده ذو الأصول اليُونانية، أرثوذكسيا، بينما والدته السويدية كاثوليكية المذهب من أتباع الكنيسة المعروفة باسم الكنيسة المعمدانية.
نشأ ستيفنز نشأةً دينيةً مسيحيةً؛ حيث أُرِسِلَ إلى مدرسة كاثوليكية، وهو في الثامنة من عمره طلق والده والدته التي أخذته إلى السويد لكي يعيش معها بعد ذلك بسنوات، وعندما أتم الثامنة عشرة من عمره دخل مجال الموسيقى تأليفًا وغناءً، بعد فترة قصيرة درس فيها الفن.
وعن هذه المرحلة من حياته يقول: "بدأتُ أبتعد شيئًا فشيئًا عن نشأتي الدينية بمُعتقداتها المُختلفة، وانخرطتُ في مجال الموسيقى والغناء، وكنت أرغب في أنْ أكون مغنيًا مشهورًا، وأخذتني تلك الحياةَ البراقة بمباهجها ومفاتنها، فأصبحت هي إلهي، وأصبح الثراء المُطلق هو هدفي؛ تأسيًا بأحد أخوالي الذي كان واسع الثراء، وبالطبع كان للمجتمع من حولي تأثير بالغ في ترسيخ هذه الفكرة داخلي؛ حيث إن الدنيا كانت تعني لهم كل شيء وكانت هي إلههم".
ويقسم النقاد مشوار حياته الفني قبل إسلامه إلى مرحلتَيْن، الأولى التي حقق فيها نجاحًا متوسطًا، وكان أهم ما غنى خلالها أغنية "سأقتني بندقية"، أما المرحلة الثانية من حياته الفنية، فهي تلك التي تلت إصابته بمرض السل وهو في التاسعة عشرة من عمره؛ حيث قضى بسببه عامًا كاملاً في المستشفى؛ حيث بدأ في تلك المرحلة في إعادة النظر في معتقداته، وفكر في العديد من الأسئلة السرمدية حول الإنسان والوجود من حوله، والهدف من وجوده في هذه الدنيا.
وعن هذه الفترة يقول: "أثناء وجودي بالمستشفى أخذتُ أُفكر في حالي وفي حياتي؛ هل أنا جسد فقط وكل ما علي فعله هو أنْ أُسْعِدَ هذا الجسد؟، ومن ثم فقد كانت هذه الأزمة نعمة من الله حتى أتفكر في حالي, وكانت فرصة من الله حتى أفتح عيني على الحقيقة وأعود إلى صوابي.. لماذا أنا هنا راقد في هذا الفراش، وأسئلة أخرى كثيرة بدأت أبحث لها عن إجابة".
ومن بين هذه الأسئلة علاقة الروح بالجسد، وحقيقة وجود الإنسان والهدف من الحياة، وحقيقة خلق الإنسان، ومن أين جاء وإلى أين يذهب الإنسان.
وقد كان لأفكاره تلك تأثير كبير على طبيعة أغانيه ومساره الفني بعد خروجه من المستشفى؛ حيث بدأت أغانيه في أخذ منحى فكري وفلسفي أكثر عمقًا، ومن بينها "عالم مُتوحش" و"طلع الصباح"، وكلتاهما حقق نجاحًا عالميًا.
وقد سعى في تلك المرحلة إلى تجربة العديد من العقائد والنظريات الوضعية بحثًا عن إجابة على تساؤلاته وإشباع تأملاته هذه، فجرب اعتناق البوذية، باعتبار أن الديانات والعقائد ذات الطابع التأملي السائدة في مناطق شرق وجنوب شرق آسيا كانت، في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، أيام الثورة الثقافية والحركات الشبابية، وعلى رأسها الهيبيز، وجهةً للكثيرين من الباحثين عن الحقيقة، ثُم جرب الشيوعية، ولكنه يقول عنها إنه وجدها "تتعارض مع الفطرة".
القرآن الكريم
لا أحد يدري السر الكامن بين دفتَيْ هذا الكتاب وهذه الصحائف التي تضم بين جنباتها كلام الله تعالى؛ القرآن الكريم؛ حيث كان ولا يزال المحطة الرئيسية التي يمر بها كل من يدخل هذا الدين العظيم، منذ عهد عمر بن الخطاب، وحتى وقتنا الراهن، وإلى أنْ يأذن اللهُ تعالى ويرث الأرض ومن عليها.
فقصة يوسف إسلام مع الإسلام تبدأ مع القرآن الكريم؛ حيث يقول إنه لم يكن في تلك المرحلة من حياته، في حقبة السبعينيات، يعرف شيئًا عن الإسلام، ثُم دخل معرفة الإسلام من بوابة القرآن الكريم؛ حيث كان شقيقه الذي عاد إلى التو، في عام 1977م، من القدس الشريف المحتلة على علم بالمشكلات النفسية التي يعاني منها أخوه، والأسئلة التي يبحث عن إجابة لها، فأحضر له معه نسخةً مترجمةً إلى اللغة الإنجليزية من القرآن الكريم.
يقول كات ستيفنز، الذي على وشك أنْ يتحول إلى يوسف إسلام الآن: إنه بحث في مُقدمة الكتاب، فلم يجد له مُؤلفًا، ثم وجده يبدأ باسم الله الرحمن الرحيم، فبدأ في القراءة فيه.. "وعندها أيقنتُ أن هذا هو الدينُ الحق، وأن حقيقة هذا الدين تختلفُ عن فكرة الغرب عنه، وأنه ديانة عملية، وليس عبارة عن مُعتقدات تستعملها عندما يكبُر سنك، وتقل رغبتك في الحياة مثل المُعتقدات الأخرى".
ويستطرد: "كنت حائرًا في العلاقة بين الروح والجسد، فعرفت أنهما لا ينفصلان، وأنه بالإمكان أنْ تكون مُتدينًا دون أنْ تهجر الحياة وتسكُن الجبال، وعرفت أيضًا أن علينا أنْ نخضع لإرادة الله، وأن ذلك هو سبيلُنا الوحيد للسمو والرقي الذي قد يرفعنا إلى مرتبة الملائكة، وعندها قويت رغبتي في اعتناق الإسلام".
وعن القرآن الكريم، يقول يوسف إسلام: "يكمُن جمال القرآن في أنه يدعوك إلى أنْ تتأمل وأنْ تتفكر وألا تعبُد الشمس أو القمر؛ بل تعبُد الخالق الذي خَلَقَ كل شيء؛ فالقرآن أَمَرَ الإنسان أنْ يتأمل في الشمس والقمر وفي كافة مخلوقات الله.. وكلما قرأتُ المزيد من القرآن عرفت الكثير عن الصلاة والزكاة وحُسْنُ المعاملة، ولم أكن قد اعتنقت الإسلام بعدُ، ولكني أدركتُ أن القرآن هو ضالتي المنشودة، وأن الله قد أرسله إليّ".
يوسف إسلام
ضيفنا الذي أصبح اسمه الآن يوسف إسلام، لم يدخل الإسلام كمعتقد فحسب، بل فهم حقيقة هذا الدين الحنيف، وعرف أنه عقيدة وعبادة ومعاملة، ومن ثَم عَرِفَ أن الإسلام بالأساس دين عملي؛ أي أنه على من يؤمن به أنْ يكون مُتمتعًا بعدد من الصفات، من بينها الإيجابية وتقديس قيمة العمل باعتبار أن "العمل عبادة".
ومن ثَم، فقد تغيرت حياة يوسف إسلام كليًا في مرحلة ما بعد إسلامه؛ حيث هدأ فكرًا وبالاً، وبدأ يدرك قيمة السعي، وانصب اهتمامه في العمل العام على التعليم؛ حيث أدرك أهمية تكوين جيل مسلم في أوروبا على أسس ومبادئ الإسلام الحنيفة الصحيحة، ولذلك عندما أصبح رئيس وقف المدارس الإسلامية في بريطانيا في العام 1983م؛ أسس مدرسةً ابتدائيةً إسلاميةً، تحت اسم "إسلامية"، ثم أسس المدرسة الثانوية الإسلامية للبنين والبنات في شمال لندن، وهما أول مدرستَيْن إسلاميتَيْن في هذا البلد الإنجيلي.
وظل يدفع باتجاه الحصول على تمويل حكومي للمدارس الإسلامية في بريطانيا، على النحو المُتبع بالنسبة للمدارس المسيحية واليهودية، ونجح في ذلك في عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق "توني بلير".
وبجانب جهوده في مجال دعم التعليم الإسلامي والعمل الدعوي العام، فإنه ناشط عالمي في مجال الإغاثة الإنسانية "العطف الصغير" [Small Kindness]، وتعمل في مجال تقديم الرعاية الضرورية للأطفال وضحايا الحرب، وقد أسسها من أجل أطفال البوسنة والبلقان، إلا أن لها أنشطة في العديد من بلدان العالم الأخرى مثل العراق وبعض البلدان الأفريقية، وهي مُؤسسة إغاثية معتمدة لدى الأمم المتحدة.
بالإضافة إلى ذلك، يُشْرِفُ يوسف إسلام على جمعية "عُمار المساجد" الدينية في بريطانيا؛ حيث يمارس من خلالها دعوته للبريطانيين والمهاجرين في بريطانيا لدخول الإسلام، وتعريف المسلمين الجُدُد بدينهم، وذلك من خلال بعض الحلقات الدراسية والدعوية.
ولم ينس يوسف إسلام تاريخه الفني الحافل؛ حيث عمد إلى توظيف الموسيقى والغناء في مجال الدعوة للإسلام، من خلال بعض ألبوماته الإسلامية، التي وصل عددها إلى عشرة ألبومات.
وكان أول هذه الألبومات له كمنشد في العام 1993م، بعنوان "حياة آخر الأنبياء"، ويتناول فيه سيرة رسول الله مُحمد (صلى عليه وسلم) كاملةً، كما سجل عددًا من الأغنيات الإسلامية للأطفال، من أشهرها ألبوم "إيه.. تعني الله" أوA is for " "ALLAH، وأرفق معه كتيبًا صغيرًا يقول فيه: "إن الطفل الغربي يتعلم منذ اليوم الأول له في المدرسة أنه "A is for Apple"، ولكنني أريده أنْ يتعلم منذ الحرف الأول (A is for ALLAH)"، وتحولَتْ أغنية هذا الشريط إلى نشيد رسمي في عدد من المدارس الإسلامية في بريطانيا، كما قدم بعدها أغنيتَيْن مع فريق الأناشيد الماليزي "ريحان"، وهما: "الله هو النور"، و"خاتم الرسل".
ويوسف إسلام يرفض العنف والقتل بمختلف صوره، ولذلك حاز على جائزة السلام من رابطة الفائزين بجائزة نوبل في عام 2005م، والتي أسسها آخر رؤساء الاتحاد السوفييتي السابق "ميخائيل جورباتشوف"، ولقد ظل يدعو أبوه إلى الإسلام حتى أسلم قبل وفاته بيومَيْن، بحسب ما ذكر الصحفي المصري علي عبد المنعم في مقال له عن يوسف إسلام نشره في العام 2003م.
 وفي حقيقة الأمر، فإن قصة إسلام يوسف إسلام تحتوي على العديد من الدلالات والعبر المُهمة التي يجب دراستها، مع كونها ذات صلة بالعديد من القضايا والإشكاليات الكُبرى التي تواجه الضمير الإنساني والأسئلة التي تكمن في ذهنية الكثير من البشر في زمننا هذا، ولم يمكن الإجابة عنها، إلا من خلال الإسلام ومفرداته ومُكوناته، وخصوصًا كتاب الله المتين، القُرآن العظيم، والتي تُثبتُ بالفعل أن الإسلام هو دينُ الله تعالى الحق، وأنه يحتوي على ما يُريحُ الفكر ويُقنعُ العقل ويملأ الفراغ الروحي، من بين كل الأديان والعقائد الوضعية الأخرى.




الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى