logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

سماحة الشيخ العلاَّمة أمجد الزهاوي
2016/10/3

المستشار عبد الله العقيل

وُلد الشيخ أمجد الزهاوي عام (1300هـ/1883م) بمدينة بغداد، ونشأ في أُسرة علمية ثرية، ذات مكانة اجتماعية مرموقة، وهو ابن محمد بن سعيد الزهاوي، درس على والده وبعض المشايخ، والتحق بالمدارس الرشدية والابتدائية والإعدادية في بغداد، ثم سافر إلى استانبول حيث درس ست سنوات في «كلية القضاء»، وتخرج فيها، فكان ترتيبه الأول على الطلاب.

وقد منحه السلطان عبد الحميد الثاني وسام الشرف تقديرًا لنبوغه وتفوقه، ثم عاد إلى بغداد، حيث تقلد مناصب القضاء، إلى أن انتهى إلى رئاسة مجلس التمييز الشرعي، وبعدها تقاعد عن العمل واشتغل في المحاماة فترة من الزمن، ثم تفرغ للعمل الدعوي عام 1946م، وكان من مؤسسي أهم الجمعيات الإسلامية في العراق، وهي: «الآداب الإسلامية، وإنقاذ فلسطين، والتربية الإسلامية، والأخوة الإسلامية، ورابطة العلماء، واللجنة العليا لنصرة الجزائر» وكان رئيسًا لهذه الجمعيات جميعها في آن واحد.

وحين وقع الانقلاب العسكري في العراق، بقيادة عبد الكريم قاسم، يوم 14/7/1958م، وناصره الشيوعيون والملاحدة والعلمانيون، عمّت الفوضى البلاد، وانتشر السلب والنهب والقتل والسحل، وعاش الناس في القطر العراقي كله عيشة الرعب والخوف، ولم تبق كرامة لعزيز، ولا قيمة لرجل الدين، وهان العلماء والقضاة، وحرّضت السلطة الأوباش على كرام الناس، وتعرَّض كثير من العلماء إلى الإهانة والاعتقال، ومُلئت السجون بدعاة الحق والخير، أمثال الشيخ محمد الصواف، والشيخ
عبد العزيز البدري، والشيخ محمد الخالصي، وغيرهم كثيرون من الشباب والشيوخ والنساء والرجال، وانتشرت كتب الكفر والإلحاد والدعوة إلى الفجور.

وحاول الشيخ أمجد الزهاوي نُصح عبد الكريم قاسم طاغية العراق، وأسمعه كلامًا قويًا في مقابلتين معه بديوان الرئاسة، ولكنه كان يراوغ، وأصمّ أذنيه عن الحق، وظـل سـادرًا في غيِّه.

عندها قرر الشيخ أمجد الزهاوي الارتحال إلى المدينة المنورة، وسافر معه ابنه الشيخ محمد سعيد وزوجته وابنته نهال، وبقي في المدينة المنورة نحو سنة ونصف السنة، وقد لحق به الشيخ محمد الصواف بعد أن خرج من العراق عن طريق سوريا، حيث استقر بالمملكة العربية السعودية إلى وفاته، بينما عاد الشيخ أمجد الزهاوي إلى العراق.

ولقد أكرمني الله تعالى برؤية الـشيخ أمجد الزهاوي قُبيل وفاته في الكويـت مع إخـواني عبد الله المطوع وعبد الواحد أمـان وعـمر الدايل وغيرهم، ثم غادرنا إلى العراق، ولم ألتق به بعدها لوفاته ببغداد عام 1387هـ 1967م.

آخر أعماله

وكان آخر أعماله ـ رحمه الله ـ أنه تلقى دعوة لحضور المؤتمر الثالث لوزراء التربية العرب، وكان المرض قد اشتدت وطأته عليه، فلم يستطع الحضور، واكتفى بإرسال مذكرة أملاها على ابنته نهال، يوضح فيها وجهة نظره في إصلاح وزارات التربية، وقُدّمت الورقة للمؤتمر، وقد قامت «جمعية الإصلاح الاجتماعي في الكويت» مشكورة، بطباعة هذه المذكرة ضمن المذكرات الأخرى، ووزعتها على نطاق واسع.

وبعد المؤتمر ببضعة أيام غادر الدنيا الفانية إلى الدار الباقية، يوم الجمعة 14 شعبان 1387هـ، تاركًا وراءه أعظم الأثر، وأطيب الذكر، وأعطر السير، لرجال الدعوة وعلماء الأمة الذين يؤثرون ما عند الله على ما عند الناس، فكان الزهاوي بحق، كما وصفه الإمام الـشهيد حسن البنا - حيث قال: «يـا بني إذا أردت أن تنـظر إلى وجه رجل من صحابة رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) فانظـر إلى وجـه الشيخ أمجد الزهاوي».
قالوا عنه

قال عنه الشيخ محمد محمود الصواف: «كان ـ الزهاوي ـ أزهد الناس في الثناء، وأبعدهم عن الرياء، فهو لله وحده، لذا ما كان يرجو سواه، ولا يبغي إلا رضاه 9، ويبتعد عن السعي من أجل السمعة، ويكره الشهرة».

وقال عنه الشيخ علي الطنطاوي: «إذا وقف الشيخ أمجد للصلاة نقّى قلبه ثم صرخ: الله أكبر، فتحس وكأن قنبلة قُذفت في وجه الشيطان».

وقال عنه الشيخ عبد العزيز البدري: «إن الشيخ أمجد إسلام يمشي على الأرض، فكل من يراه يذكر الله تعالى، لما منّ عليه الله من فضل وجلال وهيبة ووقار».

ويروي الأستاذ سليمان القابلي أن طلاب الشيخ لاحظوا أن شيخهم كلما رأى علبة سجائر تركي يلتقطها من الأرض، فسأله أحدهم فأجاب الشيخ: ألم تروا ما كُتب على العلبة؟ أليس هذا لفظ الجلالة؟ وأشار إلى اسم صاحب الشركة (عبدالله لطفي) المدون على كل علبة سجائر، فلما علم صاحب الشركة بذلك بدل اسمه من «عبدالله» إلى «عبود».

ويقول د. نعمان عبد الرزاق السامرائي: «لقد كان الشيخ أمجد الزهاوي من ذلك النفر الرباني الذي عرف الله، وحاول أن يرضيه بصدق ويلتزم طريقه، سواء رضي من حوله أم غضبوا».

وقد عاش في القرن الرابع عشر للهجرة، ومن عرفه عن قرب كان يشعر كأنه هبط من القرن الثاني للهجرة، ويروي د. أبو اليقظان الجبوري عن شدة حياء الشيخ أمجد، فيقول بأن رجلاً شكا من ألم في ركبته، ولما كشف عنها أمام الشيخ، أدار الشيخ وجهه عن حياء.

ويروي د. طه جابر العلواني: أنه حضر مجلسًا ضم الشيخين أمجد الزهاوي وقاسم القيسي ـ وكان مفتي العراق في حينه ـ فدار حوار بينهما حول مسألة لغوية.

يقـول الشيخ القيسي للشيخ الزهاوي: «يـا شيخ أمـجد، كـنت تركـت لك الفقـه والأصـول، وسلمت إليك القيادة والريـادة فيهمـا، ولم أكن أظن أنه يمكنك أن تناقشني في عـلوم العربية والبلاغـة، ولكنني الآن مضطر لأن أسلم لك بهذه أيضًا، فأنت يا أمجـد أفندي شيخي وشيخ العراقيين جميعـًا في الـمنقول والمعقول وفي سائر العلـوم، ولن أجادلك بعد اليوم ولكن أستفتيك».

كما روى عنه أحد القريبين منه: أنه عندما كان يشيّد داره في الأعظمية سمع أحد العمال يقول كلمة كفر فناداه وأعطاه أجره كاملاً وصرفه، ثم أمر بهدم ما بناه هذا العامل وجاء بغيره.

ويروي الأستاذ كاظم أحمد المشايخي في كتابه القيم (الإمام أمجد بن محمد سعيد الزهاوي فقيه العراقين والعالم الإسلامي) ـ والذي أخذنا عنه كثيرًا من النقول السابقة ـ يقول المشايخي: «كانت ليهودي قطعة أرض مجاورة لأرض الوصي على عرش العراق الأمير عبد الإله، فاغتصبها الوصي منه، فاشتكى اليهودي على الوصي وصدر الحكم في مصلحة الوصي، فميّز اليهودي الدعوى وعرضت على الشيخ أمجد الزهاوي باعتباره رئيس مجلس التمييز يوم ذاك، وتوسط بعض معارف الشيخ لجعله يصادق على قرار الحكم إرضاء للوصي فردَّهم قائلاً: لا يهمني رضاء الوصي، ولكن يهمني رضاء رب الوصي، ودرس القضية جيدًا ووجد الحق في جانب اليهودي، فنقض قرار الحكم وأعاد الأرض لليهودي».

موقفه من فلسطين

ذلك هو الشيخ الزهاوي وتلك نبذة عن سيرته وهذه بعض أقوال من عايشوه عن قرب وقالوا عنه بصدق، أما موقفه من القضية الفلسطينية، فقد كانت همّه الأول والأخير، وشغله الشاغل طيلة حياته؛ لأنها في نظره قضية الإسلام الكبرى في هذا العصر، وقد حضر جميع المؤتمرات التي عقدت من أجلها في القاهرة ودمشق والقدس، وسافر من أجلها إلى معظم البلاد العربية والإسلامية، ولازم أول فوج من مجاهدي العراق إلى فلسطين، وزار الخطوط الأمامية بنفسه، وعاش المأساة على أرض الواقع، وكان رئيس المؤتمر الإسلامي لنصرة فلسطين.

وكانت معرفته للأستاذ الإمام حسن البنا، قد توثقت بزيارته لمصر عام 1948م، وحضوره الاحتفال الكبير بالمركز العام للإخوان المسلمين بالقاهرة بمناسبة مرور عشرين عامًا على تأسيس الجماعة، حضره ما لا يقل عن نصف مليون شخص، وكان يرافقه في رحلته الشيخ فؤاد الآلوسي والشيخ إسماعيل الأيوبي، كما زار الأستاذ البنا في بيته المتواضع، ودام اللقاء أكثر من ساعتين ونصف الساعة، وخرج معجبًا بحركة الإخوان المسلمين وتنظيماتها وبرامجها ومناهجها وإخلاص رجالها وصدقهم ونشاطهم وتعاهد مع الإمام البنا على أن يعملا معًا لإعادة بناء الدولة الإسلامية، وفي زيارته هذه لمصر تعرّف على الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، ودعاه لزيارة العراق وساعده في حملة التبرعات للجزائر وطاف معه البلاد العربية لنصرة الجزائر، وحين زار الزعيم المغربي علال الفاسي بغداد سنة 1953م التقى الشيخ الزهاوي والشيخ الصواف، كما أن الشيخ الزهاوي زار المجاهد الكبير عبد الكريم الخطابي بطل الريف المغربي بمصر، أما صلته بالحاج محمد أمين الحسيني - مفتي فلسطين - فهي وثيقة متينة لاهتمامهما معًا بقضية الإسلام الكبرى في هذا العصر: قضية فلسطين.

يقول تلميذه د. عبد الكريم زيدان: «فإن شأني مع شيخ الإسلام الزهاوي (رحمه الله) شيء آخر لا يخضع لما تعودت عليه في حياتي من زهد في الرثاء واكتفاء بالعبرة والدعاء لأني ما تأثرت بشخص رأيته بعيني بمثل ما تأثرت بأستاذي الزهاوي (رحمه الله تعالى)، وما رأت عيني مثله على كثرة من رأيت وعرفت وخالطت.. لقد رأيت فيه ما كنت أفتش عنه من زمن بعيد وأريد الوصول إليه لمسًا باليد ورؤية بالعين وسلوكًا في الخارج.. حتى عرفت الشيخ فرأيت فيه ما أريد: إخلاصًا نقيًا ومخافة من الله واهتمامًا بأمر المسلمين.

أما إخلاصه، فكان صافيًا خالصًا لا تشوبه أكدار التلفت إلى الحياة والسلطان والمنصب والثناء والسمعة والظهور.. استوى عنده عمل السر والعلن؛ لأنه لم يعد عنده ما يخفيه في العلن ويبديه في السر.. يعمل الخير ولا يتحدث فيه، فحسبه أن يعرفه الله فمعرفة الله تغني عن معرفة الناس، فقد بلغ به الإخلاص إلى حد نسيان ما يعمله من صالح الأعمال نسيانًا لا بسبب ضعف الذاكرة، ولكن بسبب فعل الإخلاص.. لقد كان (رحمه الله) أمة في الإخلاص لا يعرف بسببه تكلفًا ولا تصنعًا ولا رياءً حتى ظهر الإخلاص في كلامه وحركاته وسكناته، وطفح على قسمات وجهه المشرق النّير المهيب الذي يبعث في الناظر إليه انشراحًا واطمئنانًا وهدوءًا.. ولا أكتم القارئ الكريم أني كنت إذا ما ألم بي ضيق في الصدر وانقباض في النفس؛ أسرعت إليه (رحمه الله) لأجلس بجانبه وأنظر إليه وأستمع منه فتهدأ نفسي ويزول عني الضيق والانقباض، وهكذا تفعل مجالسة الصالحين المخلصين.

أما مخافته لله فأمر محسوس ظهر في وقوفه عند حدود الله، وهو الفقيه بهذه الحدود وفي تعظيمه شعائر الله، وفي مبادرته إلى أداء حقوق الله وفي جهره بالحق عند السؤال والاستفتاء، وهكذا يكون شأن الخائف من الله، فمن خاف هرب، ولكن هرب الخائفين من الله يكون إلى الله.

وأما اهتمامه بأمور المسلمين، فقد كان منطلقه فيه الحديث الشريف: «من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم» (رواه الطبراني) وقد كان (رحمه الله) يريد أن يكون من المسلمين لا من غيرهم ولهذا فقد أهمه أمر المسلمين وأرّق جفنه فما كان يسمع باجتماع إسلامي إلاّ وسارع إليه معللاً نفسه بحصول شيء يخدم الإسلام وينفع المسلمين، ومن أجل ذلك شدّ الرحال إلى أقطار الإسلام: إلى أندونيسيا وباكستان ومكة المكرمة وتركيا وغيرها من بلاد الإسلام، على الرغم من شيخوخته وجسمه النحيل ولكن هي الهمة، همة المسلم الصادق المخلص تحرك البدن الضعيف على الرغم من تجاوز صاحبه سن الثمانين... لقد كان من فرط اهتمامه بأمور المسلمين وحزنه على ما آل إليه أمرهم يبكي إذا ما تحدث عن عزهم السابق وقرنه بهوانهم الحاضر، نعم يبكي وتسيل دموعه على وجهه المشرق المنير حتى تبل لحيته الكريمة البيضاء.

لقد صحبتُ الشيخ (رحمه الله) في إقامته وفي سفره وفي صحته وفي سقمه وحضرت مجلسه العام والخاص فما رأيت منه ضعفًا أو فتورًا فيما تحدثت عنه من إخلاص وخوف من الله واهتمام بأمر المسلمين، رحم الله أستاذي الكريم الذي قلّ نظيره وعزّ مثيله، لقد أحببته حب التلميذ لأستاذه وحب الابن لأبيه وحب الأخ لأخيه في الله.. لقد عاش (رحمه الله) فقيهًا عزيزًا لا يمارى ولا يداهن، يصدع بالحق وإن سكت غيره ولا يبيع شيئًا من دينه بالدنيا كلها، فالدنيا أتفه من أن تكون ثمنًا لشيء من معاني الإسلام؛ فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا معه في جنات النعيم والسلام عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيًا» انتهى.

يقول الأستاذ الكبير النائب الأردني يوسف العظم: «.. كان الشيخ أمجد الزهاوي على علاقة طيبة بالمغفور له الملك الشاب فيصل الثاني ملك العراق، علاقة الأب المحب والعالم النقي بالملك الذي كان يتوق لنصح أمثال هذا الشيخ ورعايته، وكان الملك الشاب يعامله معاملة الحفيد للجد أو التلميذ المؤدب للعالم الجليل. وكان الشيخ الزهاوي إذا أراد الحديث مع الملك فيصل الثاني (رحمه الله) رفع السماعة وطلب مأمور قسم الهاتف ورجاه أن يصله بـ (فيصل أفندي) وهو يعتقد أن هذا اللقب يليق بالعظماء؛ لأنه اللقب الذي كان ينادى به السلطان عبد الحميد خليفة المسلمين، وكان الملك الشاب يستجيب للطلب.

قامت مظاهرة ذات يوم في بغداد، وشارك فيها الشباب من سائر الانتماءات السياسية فزج بعدد منهم في التوقيف للتحقيق معهم فما كان من الشيخ الزهاوي إلاّ أن اتصل بـ (فيصل أفندي)، كما كان يناديه ببراءة ليفرج عن شاب لقيت أمه الشيخ بباب المسجد ترجوه في ولدها الموقوف. فسأل الملك الشاب بتواضع جم وأدب: أي شاب يريد شيخنا أن نفرج عنه؟ فكان جواب العالم الجليل: كلهم يا ولدي أولادنا.. الله يرضى عليك!!.. ويتم الإفراج عن الشباب جميعًا إسلاميين وقوميين وماركسيين إكرامًا من الملك الأصيل للعالم الجليل...» انتهى.

من أقواله

ومن كلمات الشيخ الزهاوي المأثورة: «إن العالم الإسلامي يحترق، وعلى كل منا أن يصب ولو قليلاً من الماء ليطفئ ما يستطيع أن يطفئه دون أن ينتظر غيره». وقد توّجت منظمة حماس الجهادية دستورها بهذه الكلمة الرائعة.

رحم الله أستاذنا العلاّمة، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي عباده الصالحين، ونفعنا الله بما ترك لنا من السيرة الحسنة والقدوة الصالحة، وجمعنا وإياه في جنات النعيم مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى