logo
 بحـث    
 
 
اقرأ أيضا   
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

هل يحق لي أن أزور القدس بتأشيرة صهيونية؟
2016/12/7

د. أنس جراب(*)

ليس غريبًا أن نجد كثيرًا من الدعوات –المخلصة وغير المخلصة – التي تطالب المسلمين في شتى بقاع الأرض بزيارة المسجد الأقصى، وتعزيز تواجد المسلمين في تلك المدينة المقدسة التي تتعرض للتهويد منذ تدنيسها على أيدي الصهاينة قبل عقود عديدة، خصوصًا في ظل اشتداد الهجمة البربرية الصهيونية عليها، واقتحام المسجد الأقصى بشكل دوري ومستمر، ومنع المرابطين واعتقالهم دون وجه حق، ومصادرة حق الفلسطينيين في العبادة.

فهذه الدعوات والتي لا أشك شخصياً بإخلاص بعضها، وحرصها على القدس، لاقت لدى الكثير ممن تاقت نفوسهم لزيارة المدينة المقدسة، صدىً واسعاً، وتجاوباً واضحاً، وحرصاً على ضرورة الخروج من بوتقة حرمة الزيارة التي أكد عليها كثير من علماء الأمة في فتاوى فردية أو جماعية على حرمتها، لكون هذه الزيارة –رغم قداسة المكان- تشكل اعترافاً بالكيان الصهيوني المجرم الذي يجب علينا السعي لإزالته بدلاً من التوسل له وطلب الموافقة منه لسماحه لنا بأداء العبادة في المسجد الأقصى.

لكن وقبل أن أتكلم حول حرمة الزيارة، أحب أن أكشف النقاب عن أصناف الناس الذين يحق لهم زيارة الأقصى والتي لا يعرفها البعض:

زيارة القدس بتأشيرة صهيونية تشكل اعترافاً بالكيان الصهيوني المجرم الذي يجب علينا السعي لإزالته بدلاً من التوسل له وطلب الموافقة منه لسماحه لنا بأداء العبادة في المسجد الأقصى:

1. حَمَلَة الجوازات الأجنبية، الذين يسمح لهم بدخول فلسطين المحتلة بدون إذن أو تأشيرة، وهؤلاء لا أرى شخصياً أنهم يندرجون تحت هذه المسألة، لأن دولة الاحتلال لا تتدخل في الموافقة على قدومهم أو لا، فهم يدخلون ويخرجون منها كما يدخلون الدول الأجنبية التي يقطنونها أو التي تحيط بها.

2. الفلسطينيون الذين يحملون تصاريح خاصة، وهم ممن يسكنون تلك الأرض المباركة، ويخضعون لحكم الاحتلال –تحت الأمر الواقع – وهم مغلوبون على أمرهم، ولديهم أرضهم وبيوتهم ولا يستطيعون تركها، والذين يخرجون من فلسطين ويعودون إليها، بناء على حملهم للتصاريح، أو الهويات الخضراء أو هويات القدس، لا ندخلهم في المسألة؛ لأنهم يقطنون في فلسطين أصلا تحت حكم الاحتلال.

3. أما الفلسطينيون، الذين يعرفون بفلسطينيي الداخل، وهم يحملون جنسية دولة الاحتلال، -بحكم الواقع – كونهم أقليات –وإن كان عدد السكان فاق المليون – في دولة الاحتلال، ولا يمكنهم أن يحملوا جنسية أخرى غيرها، وهؤلاء أيضا ليس لهم علاقة بمسألتنا؛ كونهم يحملون جنسية دولة الاحتلال، ويعيشون تحت حكمها.

4. فلسطينيو غزة وهؤلاء أصبحوا في حالة قطيعة تامة مع الضفة الغربية والقدس بسبب سعي سلطات الاحتلال لفصلهم عن الضفة نظرا للظروف السياسية المعروفة، رغم تمتعهم بهويات فلسطينية تضمن لهم الحق في العيش في فلسطين، وقد سمحت سلطات الاحتلال للعشرات منهم مؤخراً في كل فترة بزيارة القدس، وفق شروط صعبة.

لذا بقي الصنف الأخير، وهم أهل الدول العربية والإسلامية خصوصاً، والذين لا يمكنهم زيارة القدس إلا بموافقة الاحتلال، سواء أكانت دولهم تعترف بدولة الاحتلال أم لا.

وحول هذه الفئة ذات النسبة الأكثر، والشوق الأكبر، لزيارة الأقصى، وفلسطين، يدندن أصحاب هذه الدعوات، التي يتسم بعض أصحابها بالحرص على الأقصى في ظل حملات التهويد التي يتعرض لها، في حين تتسم الأخرى بالحرص على تطبيع العلاقات مع ذلك الكيان الذي لابد وأن يكون محل المقاطعة والمنابذة؛ لكونه كياناً غير شرعي، أقيم على أرض إسلامية تعتبر وقفاً للمسلمين جميعهم دون استثناء.

وقبل أن أخوض في خطأ مثل هذه الدعاوي، لابد أن أحرر بعض جوانب المسألة، من باب أن تكون المعرفة بالمسألة قبل الحكم عليها، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولا يجوز أن يتم ترديد الأحكام دون معرفة لطبيعة المسألة وأصلها.

1. لا يمكن للكثير ممن يتقدمون للسفارة الصهيونية بالسماح لهم لزيارة فلسطين، من الحصول على الموافقة الأمنية، خصوصاً فئة الشباب، أو ممكن كانوا مواطنين سابقين في فلسطين وفقدوا مواطنتهم فيها. فالموافقة هي لبعض الناس، وليس للجميع ولمن رغب وأراد الذهاب إلى هناك.

2. الكثير ممن يذهبون إلى فلسطين عبر تأشيرات السفارة الصهيونية، يذهبون إما لرؤية أقاربهم الذين يلتقون معهم دائماً حينما يخرجون من فلسطين، أو للمشاركة في واجبات اجتماعية، أو لرؤية أرضهم السليبة التي اغتصبها اليهود، أو لزيارة الأقصى، وفق مدة زمنية لا تتجاوز أسبوعين أو أكثر قليلاً بحسب شروط التأشيرة.

3. تستلزم زيارة فلسطين والحصول على تأشيرة صهيونية، وجود مكاتب أو سفارات أو قنصليات، تابعة للكيان الصهيوني ، وهو يقودنا إلى مسألة أخرى، وهي مدى جواز فتح سفارات وقنصليات لهم في بلاد المسلمين، والتي يعرف الجميع حكمها، والتي نص العلماء عليه في فتاوٍ كثيرة.

4. تتطلب هذه الزيارة أيضا دفع المال بشكل اختياري لدولة الاحتلال، مقابل السماح بالزيارة، وهذا بلا شك يعتبر دعماً للاقتصاد الصهيوني الذي يواجه مشاكل عديدة، خصوصاً إذا كان هناك إقبال وكثافة على طلب السماح بالزيارة.

أما لماذا تُحرّم هذه الزيارة، ويصر البعض على رفضها رفضاً قاطعاً، بما فيها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والكثير من علماء أمتنا، فأنني أبين ذلك بما يلي:

1. إن الغاية لا تبرر الوسيلة مطلقاً، مهما كانت تلك الغاية شريفة وسامية، وإن هذا مما لا يختلف عليه أحد في شريعتنا، فزيارة القدس وإثبات إسلاميتها، غاية سامية بلا شك، إلا أن الوسيلة وهي طلب الإذن من اليهود وسيلة مرفوضة، وحال المرء هنا، كمن يصلي بخشوع دون وضوء، أو من يسرق ليتبرع بماله للمحتاجين والأيتام، وهو واضح الحرمة في قوله عليه الصلاة والسلام : "إن الله لا يقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول".

2. قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" وهل هناك منكر أكبر من احتلال فلسطين، واغتصاب مقدساتها، وقتل وسجن وتشريد أهلها منها!!

إن الأصل في هذا المنكر، الذي يعتبر وصمة عار على جبين أمتنا أن يتم إزالته بالقوة وتحرير فلسطين من دنس هؤلاء المجرمين، وفي حال عدم الاستطاعة، فلا أقل من التغيير بالقلب، وهي مقاطعة أهل المنكر، وهذه المقاطعة، لا يمكن أن تكون متحققة في ظل الطلب من سفارات ومكاتب العدو الصهيوني بالسماح لنا للزيارة، وفي ظل الرضا بدفع الأموال لهم –اختياراً- والنزول تحت كيانهم بإرادتنا وموافقتنا.

3. إن مسألة زيارة القدس لأداء العبادة، لا يتصور معارضتها لحرمة الطلب من سفارات العدو للسماح بدخول فلسطين تحت حكمهم ، فزيارة القدس والصلاة فيها، لا تتعدى حكم الندب للمرء، في حين أن التعامل مع المحتل وطلب التأشيرات منه حرام بلا شك، فكيف يتصور فقهياً أن يتعارض المندوب مع المقطوع بتحريمه!!

حتى الذين يقولون بأن زيارة القدس هي لإثبات إسلامية الأقصى، فيمكن أن يجاب عنه بأن الأقصى لا ينال وصف الإسلام من خلال مجموعة من السياح الذين يدخلون تحت إذن الاحتلال . وإنما وصف الإسلام ناله الأقصى من نصوص شريعتنا المبثوثة في القرآن والسنة، والتي لا تتعلق بتصرفات المكلفين ولا ترتبط بهم. والسؤال الذي نسأله، هل فقد الأقصى إسلاميته خلال تلك العقود الماضية التي لم يدخل فيها المسلمون إليه. وهل فقد الأقصى إسلاميته، والمسلمون ما زالوا في عهد النبوة قبل فتحه بعد معركة اليرموك، أو حينما كان تحت نير الاحتلال الصليبي مدة تقارب المئة عام!!

وأقول لمن يطالب بالتطبيع لزيارة الأقصى، لتكثير سواد المسلمين هناك، هل يعقل أن دولة الصهاينة بهذا الغباء لتسمح بهذا الأمر بالتحقق؟؟ وهل يمكن له أن يسمح للناس –السياح – بزيارة الأقصى لنصرته، في حين يمنع من هم دون الأربعين من سكان فلسطين من دخوله والصلاة فيه؟ وفي الوقت نفسه يمنع أهل المدينة، ومن يحملون الجنسية الصهيونية من دخوله، ويتم طردهم والاعتداء عليهم، حتى لو كانوا نساء أو كباراً في السن!!

4. إن الأولى في ظل عدم وجود قرار رسمي عربي، بإزالة ما يعرف بــ(إسرائيل) من الوجود، أن يكون هناك دعم لصمود المقدسيين المرابطين، الذين يقعون في خط الدفاع الأول عن الأقصى، خصوصاً وأن 70% منهم يعيشون في ظل ظروف اقتصادية صعبة، في ظل رفع الضريبة، وتكاليف المعيشة، بدلا من إعطاء الأموال للصهاينة مقابل السماح بدخول فلسطين.

5. أما ما يستدل به البعض من القول بمشروعية الزيارة في ظل الاحتلال قياسا على صلح الحديبية، فأقول بأن هذا قياس مع الفارق، لأن أداء العمرة واجبة عند بعض فقهائنا، ناهيك عن أن قريشاً لم تكن محتلة لمكة بل كانت تعيش فيها وتقطنها. فلم تأت قريش من دول فارس أو الروم لتحتل مكة وتبعد النبي صلى الله عليه وسلم عنها، ومع هذا كانت تلك الزيارة الوحيدة، قبل أن يأتي النبي فاتحاً لها، وهو ما يدلل على أن فتح مكة كان أمراً يريده النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرد أن تكون الأصنام أمراً واقعا يتعايش معه ويطبع العلاقات مع عبّادها وإلا لما خرج من مكة أساساً.

إن الأحكام لا تقرر بالعواطف، وإنما تدرس في ضوء الأدلة ومقاصد الشريعة، و إنه من الأولى شحذ همم الناس، وتعريفهم بقضية القدس، وخطورتها وما تتعرض له من تحديات ومؤامرات، وزرع روح المقاومة والعزائم نحو تحرير القدس ، وطرد المحتل من أرضنا، بدلاً من المساومة، والبحث عن أي أمر يعزز وجود الاحتلال، ويجعل من بقائه أمراً واقعاً بلا شك.

ختاماً.. المسألة اجتهادية تدور في فلك المصالح والمفاسد، وهي بحاجة إلى قراءة المشهد بدقة، بما يجمع بين الأبعاد الشرعية والسياسية والاقتصادية  وغيرها، وبما يتعلق بمآل التصرفات ونتائجها، خصوصاً في ظل وجود احتلال لا يعطي أي اعتبار لحقوق الإنسان الدينية والشخصية، وفي ظل الوضع السياسي الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

-----------------------------------
المصدر: موقع "بصائر"

https://www.basaer-online.com





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى