logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

الشاعر السوري عمر بهاء الدين الأميري
2017/4/27

المستشار عبد الله العقيل

مولده ونشأته

وُلد في مدينة حلب سنة (1339هـ/1914م) في أُسرة متديِّنة، ونشأ في رعاية أبوين أحسنا تربيته، فأحبهما ونطقت أشعاره بحبهما.

وفي حلب تلقى علومه حتى أنهى الدراسة الثانوية، ثم توجه إلى فرنسا، حيث درس الأدب وفقه اللغة بجامعة (السربون) بباريس، ثم درس الحقوق في الجامعة السورية بدمشق، وعمل بعد تخرجه مديرًا للمعهد العربي الإسلامي بدمشق، ومارس المحاماة فكان مثال المحامي النزيه والقاضي العدل، لا يترافع إلاّ مع الحق ولا يقضي إلاّ بما يقرّه الشرع، واشترك في مؤتمرات المحامين فكان فيها نجمًا لامعًا.

اختير ليكون سفيرًا لسوريا في باكستان سنة 1950م، ثم في المملكة العربية السعودية سنة 1954م. وفي سنة 1386هـ دُعي إلى المغرب لتدريس الحضارة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة محمد الخامس في مدينة فاس، ثم أستاذًا لكرسي الإسلام والتيارات المعاصرة في دار الحديث الحسينية بالرباط، ثم في قسم الدراسات الإسلامية والدكتوراه في جامعة القرويين.

وهو شاعر فحل من فحول الشعراء المعاصرين، بدأ قول الشعر وهو في التاسعة من عمره وجمع ديوانه الأول وهو في الثامنة عشرة.

اهتمـامـاتـه:

عاش قضية فلسطين وكان لها في شعره نصيب كبير، وأفرد لها ديوانًا من دواوينه، وكان في القدس مع جيش الإنقاذ سنة 1948م، وعاش ثورة الجزائر، ومع بناء دولة باكستان، ومع قضايا المغرب، وشارك في الكثير من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات في أنحاء العالم العربي والإسلامي.

كما احتلت أُسرته جانبًا كبيرًا من نفسه، فصاغ شعره عاطفة وحبًا لأبنائه، وأضاف إلى المكتبة العربية من دواوينه الكثير، كديوانه (مع الله)، وديوانه (أب)، وديوانه (ألوان طيف)، وديوانه (من وحي فلسطين)، وديوانه (أشواق وإشراق)، وديوانه (ملحمة النصر)، وديوانه (ملحمة الجهاد)، وديوانه (الأقصى وفتح والقمة)، وديوانه (قلب ورب)، وديوانه (رياحين الجنة)، وديوانه (ألوان من وحي المهرجان)، وديوانه (أمي)، وديوانه (الروضيات)، وديوانه (الزحف المقدس)، وديوانه (أذان القرآن)، وديوانه (مع القاضي الزبيري)، وديوانه (بنات المغرب)، وديوانه (نجاوى محمدية)، وديوانه (حجارة من سجيل)، وديوانه (الهزيمة والفجر).

مؤلفاته وآثاره:

- الإسلام في المعترك الحضاري.
- في رحاب القرآن.
- في الفقه الحضاري.
- الخصائص الحضارية في الإسلام.
- في التصور الحضاري المعاصر.
- الإسلام في ضوء الفقه الحضاري.
- عروبة وإسلام.
- لقاءان في طنجة.
- صفحات ونفحات.
- المجتمع الإسلامي والتيارات المعاصرة.
- وسطيّة الإسلام وأمته في الفقه الحضاري.
- أم الكتاب.
- الهزيمة والفجر.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي عن ديوان (مع الله):

كان ديوان (مع الله) صلوات، وابتهالات، وترنيمات إلهية، كأنها من مزامير داود، إنه شعر يُحلق في آفاق السماء، ويغوص في أعماق النفس، ويسبح في جنبات الوجود، ويستحضر معية الله في كل مكان، وفي كل حين، وفي كل حال.

وقد استقبل الأدباء والشعراء والدعاة والمفكرون ديوان (مع الله) بما يليق به من ترحيب وتنويه.

وحسبنا من هؤلاء ما كتبه الأستاذ العقاد إلى شاعرنا الأميري من رسالة يقول له فيها:

ديوانكم (مع الله) آيات من الترتيل والصلاة، يُطالعها القارئ، فيسعد بسحر البيان، كما يسعد بصدق الإيمان.

وقد قرأتُ طائفة صالحة من قصائده، وسأقرأ بقيتها، وأُعيد قراءة ما قرأته؛ لأنه دعاء يتكرر ويتجدد ولا يتغير. وثوابكم من الله عليه يُغنيكم عن ثناء الناس، وإنه ـ على هذا ـ لثناء موفور، وعمل مشكور، فتقبلوا مني شكره، واغتنموا من الله أجره، وعليكم سلام الله ورضوان الله.

وعن شعر الأميري وشاعريته يقول القرضاوي:

وبجوار الشعر الإيماني والشعر الإنساني للأميري، نجد الشعر الجهادي، وكلّه أو جلّه يصبّ في قضية الأمة المركزية والمحورية، وهي قضية الأقصى، قضية أرض الإسراء والمعراج، قضية فلسطين، وقد أصدر عدة دواوين في ذلك، مثل: ملحمة الجهاد، من وحي فلسطين، حجارة من سجيل.

وإذا كان بعض الشعراء يخلد إلى الأرض وينزع إلى الطين والحمأ المسنون، فإن الأميري يُحلّق بشعره على أجنحة ملائكية، إلى آفاق علوية.

وإذا كان منهم من استغرقه الحس، وسجنه الجسد في قفصه، فإن الأميري قد سما بشعره إلى فردوس الروح، وسماء الربانية، وتحرر من قبضة الجسد الحديدية، بفضل ما منحه الله من رحيق الإيمان، وفيض الروح المشرق بنور اليقين.

معرفتي به وتوجيهاته لنا:

عرفته حين زار مصر أوائل الخمسينيات وكان وقتها سفيرًا لسوريا في باكستان، وقد اجتمعنا به أكثر من مرة مع مجموعة من طلبة البعوث الإسلامية، واستمعنا إلى توجيهاته ونصائحه فيما يتعلق بالعمل الإسلامي، وكان يركّز في حديثه على أن المؤامرة ضد الإسلام والمسلمين كبيرة جدًا، وهي محكمة الخطط، ماكرة التدبير، تشارك فيها كل القوى المناوئة للإسلام من الصليبية والصهيونية والشيوعية والإلحاد بكل فرقه والتغريب بكل جيوشه والاستعمار بكل ألوانه وأعوانه.

وإن ضياع دولة الخلافة الإسلامية وضياع فلسطين، إنما هو بتكالب أمم الكفر وتفرّق كلمة المسلمين وانقسامهم على أنفسهم واحترابهم فيما بينهم والاستعانة بأعدائهم على إخوانهم. بالإضافة إلى تأخر الأمة الإسلامية في ميدان العلم وتأخرها عن ركب الحضارة ومجاراتها لأهواء الحكام وشهواتهم وانغماس شبابها في الملذات والشهوات، وتقليد الغرب في رذائله الخلقية وقشور حضارته وترك النافع من علومه.

وكان يحمّلنا المسؤولية ويقول: أنتم شباب اليوم ورجال الغد وحملة الإسلام إلى الناس جميعًا، فعليكم بالتزود بالعلم النافع، والالتزام بالخلق الفاضل، والارتباط بالعمل الإسلامي الجاد الذي يسعى لإعادة الأمة إلى إسلامها وأمجادها، وتمسكها بعقيدتها، وتطبيق شريعتها في واقع الحياة المعاصر.

وكان يثني الثناء الحسن على حركة الإخوان المسلمين ومؤسسها الإمام الشهيد حسن البنا، ويرى أنها الحركة الإسلامية التي تتوافر فيها المواصفات المطلوبة للنهوض بالأمة الإسلامية من كبوتها وتحررها من ربقة الاستعمار، وأنها استطاعت ـ بفضل الله ـ أن تربي الشباب على منهج الإسلام، وأن تعرض الإسلام على الجماهير كما جاء في كتاب الله وسُنَّة رسوله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، وأن تضع المفاهيم الأصيلة والقواعد الشرعية موضع العلم والعمل، حيث جاءت «رسالة التعاليم» للإمام البنا لتعطي خلاصة الإسلام التي يجب أن يفهمها المسلمون ويتدبروها ويعملوا بها ويدعوا الناس إليها. كما أن حركة الإخوان المسلمين عنيت بالشباب عناية تامة، وأعدّت البرامج الكفيلة بتنشئته النشأة الصالحة.

وأضاف الأستاذ الأميري: إن الإسلام الحق هو ما فهمه الإخوان المسلمون وليس هذه البدع والخرافات، وإن المستقبل لهذه الحركة الإسلامية التي توفّر لها الفهم الصحيح للإسلام والقيادة الحكيمة الرشيدة، والعاملون المخلصون، فعليكم يا طلبة البعوث الإسلامية بالارتباط بها والاستفادة من مناهجها وبرامجها وخبراتها وتجاربها، وانقلوا ذلك إلى أقطاركم حين تتخرّجون، وادعوا شعوبكم للعمل من أجل الإسلام والتحرر من مناهج الجاهلية والبرامج الوضعية.

وكان الأستاذ الأميري يتميّز بإشراقة الديباجة في حديثه ومحاضراته مع البسمة التي لا تفارقه والبشاشة التي يلقى بها الناس، فضلاً عن النكتة والدعابة الطريفة حين يقتضي المقام ذلك.

ثم باعدت الأيام بيننا بعد التخرج لسنين، حتى التقيت به في سوريا ولبنان والكويت والسعودية.. وشرفت بتقديمه في محاضرات عدة عن الحضارة الإسلامية، وقصائد شعرية، وأكرمني أكثر من مرة بزيارتي في البيت، وحضر ندوة الجمعة، وألقى كلمة مناسبة في الحضور، وأهداني معظم مؤلفاته ودواوين شعره الذي كان يتدفق بالعاطفة الإسلامية الجياشة والسلاسة والرقة والشفافية والمناجاة الصادقة مما لا يتسع المجال لبسطه.

اتصاله بالإخوان المسلمين:

كان الأستاذ عمر بهاء الدين الأميري من أوائل من التحقوا بحركة الإخوان المسلمين في سوريا مع الأستاذ د. مصطفى السباعي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ الشيخ محمد الحامد، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وغيرهم من رجالات بلاد الشام، وقد بذل جهودًا طيبة لرفد الحركة ودعمها، وأسهم في توجيه شبابها، وكان وثيق الصلة بالأستاذ حسن الهضيبي - المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام البنا - يكثر من زيارته والتردد عليه ومشاورته في الكثير من الأمور.

منهجه وأسلوبه:

وللأستاذ الأميري أسلوبه في علاج المشكلات ومواجهة التحديات، فهو يؤثر الحكمة واللين والمهادنة مع أصحاب السلطة؛ لاستلال السخائم من نفوسهم وعدم استثارة حفائظهم، وترغيبهم في الإحسان إلى شعوبهم، وكسب عواطفهم ومحبتهم؛ لأن محبة الشعب للحكام من أهم عوامل الاستقرار.

وصيته للشباب:

وكان يوصي الشباب المتحمس بعدم التعجل، لأن الزمن جزء من العلاج وطول فترة التربية هو الأسلوب الأمثل لإعداد الرجال؛ لأن الحمل ثقيل والمسؤولية كبيرة وتحتاج إلى نوعية من الرجال الأشداء أصحاب العزائم الذين يصبرون على البلاء ويتحملون المشاق ويصاولون الأعداء في كل ميدان، مستعينين بالله (ع)، آخذين بالأسباب المستطاعة لتحقيق مرضاة الله بإبلاغ دعوته.

إن الأستاذ الأميري كان محبوبًا من كل من عرفه عن قرب، فقد كان زينة المجالس بحديثه الشائق وأدبه الجمّ ومداعباته اللطيفة، فالشيوخ والشباب على حدٍّ سواء يتسابقون للاستمتاع بحديثه ومسامراته النافعة وتوجيهاته السديدة وآرائه الحكيمة وتجاربه الطويلة.

والأستاذ الأميري لم يكن شاعرًا وأديبًا فحسب، بل كان من زعماء الحركة الإسلامية والعاملين في الحقل الإسلامي الذين لهم إسهاماتهم الكثيرة في أكثر من قُطر ومع أكثر من زعيم وقائد ومفكر وداعية.

اعتقاله بلبنان:

وقد تعرض للاعتقال في لبنان في شهر مارس عام 1966م مع إخوانه: توفيق الشاوي، وعصام العطار، وزيد الوزير، بناءً على ضغط من حكومة عبد الناصر العسكرية بمصر، ولم تطل فترة الاعتقال حيث تدخلت وساطات لبنانية وعربية، فتمّ الإفراج عنهم بعد أقل من شهر، ولكن طُلب منهم جميعًا مغادرة الأراضي اللبنانية.

وفــاتــه:

يقول الدكتور محمد علي الهاشمي في مجلة المجتمع: «امتدت يد المنون إلى الشاعر الإسلامي الكبير عمر بهاء الدين الأميري بعد مرض عضال ألحّ عليه منذ سنة في المغرب، حيث كان يقيم. ثم نقل بمكرمة ملكية من الملك فهد بن عبد العزيز إلى المستشفى التخصصي في الرياض حيث مكث قرابة شهرين تحت العلاج، حتى وافاه الأجل المحتوم في مساء السبت الثاني والعشرين من شهر شوال سنة (1412هـ/ 1992م)، وقد وري الثرى في المدينة المنورة.

لقد وقف ذلك القلب الكبير الدفاق بحب دينه وأمته، ووقفت معه نبعة الشعر الفنيّة المعطاء الدؤوبة، التي أمدّت الجيل المسلم عشرات السنين، بزادٍ وفير، من مثل الإسلام وقيمه، وصوّرت عظمة شريعته وسمو أحكامه وتفرّد مبادئه، وشخّصت الداء العضال، الذي يفتك بأمة الإسلام، بسبب بعدها عن كتاب الله وسنة رسوله...» انتهى.

رحم الله أستاذنا الأميري وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى