logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

أمتنا مجاهدة.. أفلا تذكرون؟
2017/6/4

محمد عبد المنعم

كأن غيرنا نسي أنا أمة صُنعت من أول نشأتها في ميادين العمل الجاد، والحركة الفاعلة، والإيجابية العالية، والهمة المتنامية.

حفظت مبادئها وصانت قيمها، ونشرت في العالمين مُثُلَها، وفتحت أعين الرائين علي حضارتها، وأفسحت للناس جميعًا صدورها، واستمرت حتي اكتمل لها دينها، وتمت نعمة الله عليها، ويئس المعاندون من زوالها.

أجل نسي أهل العداوة والبغضاء أنَّا أمة مجاهدة رباها القرآن وتعهد غرسها نبي القرآن من أول يوم جاءتها الرسالة ونزل عليها القرآن.

فكيف ربي الرسول "صلى اللهُ عليه وسلَّم" هذه الأمة علي الجهاد والمجاهدة? فرض الله الجهاد علي كل مسلم فريضة لازمة حازمة لا مناص منها ولا مفر، ورغب فيه أعظم الترغيب، وأجزل ثواب المجاهدين والشهداء، وتوعد المخلَّفين القاعدين بأفظع العقوبات، ورماهم بأبشع النعوت والصفات.

ولست تجد نظامًا قديمًا أو حديثًا دينيًّا أو مدنيًّا عني بشأن الجهاد والجندية واستنفار الأمة وحشدها كلِّها صفًا واحدًا للدفاع بكل قواها عن الحق، كما تجد ذلك في دين الإسلام وتعاليمه.

ومن هنا وقف المسلمون - خاصة علي عهد رسول الله "صلى اللهُ عليه وسلَّم" - موقف الطائعين جندًا لله حربًا علي أعدائه، منفِّذين لندائه: {كُتب عليكم القتال وهو كُرْهٌ لكم وعسي أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسي أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} (البقرة: 216).

وما كان الإذعان والتسليم والطاعة لله ورسوله إلا ثمرةً من ثمار التربية القرآنية والهدي النبوي الكريم منذ بدء الدعوة في مكة، قبل أن يبرحوها إلي المدينة حيث الحكومة والدولة؛ إذ تعهدهم الذكر الحكيم بتوجيههم نحو العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالي وتوحيده وإفراده بالألوهية والحاكمية: {إنِ الحُكْمُ إلا لله أَمَرَ ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القَيم ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون} (يوسف: 40).

وأمرهم بجهاد المشركين بإبلاغهم الدعوة، والصبر علي ما يلقونه من أذي وعنت في هذا السبيل {وجاهدهم به جهادًا كبيرًا} (الفرقان: 52)، ومضوا في ذلك بعَزْمة قوية، لا يستبطئون النصر - فهم علي ثقة منه - ولا يستثقلون التبعة، والرسول (صلي الله عليه وسلم) يقول لهم: "والذي نفسي بيده ليتِمنّ الله هذا الأمر حتي يسير الراكبُ من صنعاءَ إلي حضرَمَوتَ لا يخشي إلا اللهَ والذئبَ علي غنمه ولكنكم تستعجلون".

وهو القائل "صلى اللهُ عليه وسلَّم" لآل ياسر وهم يعذَّبون: "صبرًا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة" ثم وهُمْ في الشِّعب بعد ذلك محاصرون ثابتون، حتي لا يعْرف أن امرأة مسلمة - بله أن يكون الأمر أمر رجال - ضعفت أمام صراخ وليدها الجائع، فراحت تطلب من زوجها أن يرجع عن دينه لقاء فض ذلك الحصار الجائر.

وإن تربيته "صلى اللهُ عليه وسلَّم" أثمرت ذلك الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص وهو يقول: "بينما نحن في الشِّعب إذ خرجتُ يومًا لأبول، فسمعت تحت البول قرقعة، فلما فرغت فإذا بها قطعة من الجلد، فأخذتها وغسلتها، ثم وضعتها في الشمس حتي تقددت، ثم سحقتها وسففتها، ثم شربت عليها الماء وقويت بها ثلاثًا (أي كانت هي الزاد الوحيد طيلة ثلاثة أيام!) وما منا اليوم إلا أمير علي مصرٍ من الأمصار".

نقول: إن تربية جهادية كهذه لخليقة أن توضع أمام الأجيال نبراسًا هاديا، توقظ فيهم الهمم وتحيي فيهم العزائم، وتأخذ بيدهم إلي معالي الأمور، بعيدًا عن سفسافها، فضلاً عن تربية مجاهدة روضت أصحابها علي الزهد في متاع الحياة الدنيا الزائل، كمصعب بن عمير، وكانت له أمٌّ غنية تحيطه بالفاخر من الثياب والشهي الكثير من الطعام، فيترك ذلك كله - بعد أن أسلم وأصرَّت هي علي شركها - إلي رسول الله "صلى اللهُ عليه وسلَّم" وصحبه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، حيث الجلوس علي التراب، وحيث التقشف الذي دونه كل تقشف.

فإذا بهذا الجيل القرآني سَمْتُه الاستعلاء علي كل قوي الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، والاستعلاءُ علي كل قيمة لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلي كل عرف وتقليد لم يشرعه أصل الإيمان، وعلي كل موازين الأرض المجافية لموازين الإسلام.

حتي إذا ما خلصوا بعد ذلك مهاجرين إلي المدينة استَقْبلوا مرحلةً جديدة من مراحل الدعوة لُحْمتها وسُدَاها الجهاد في سبيل الله، وقتال لأعداء الله لتمكين دين الله في الأرض: {وقاتلوهم حتي لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} (الأنفال: 39). {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقْتل أو يغْلِبْ فسوف نؤتيه أجرًا عظيمًا} (النساء: 74).

واستجاب المسلمون لنداء الله في سورة الأنفال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال: 60) {يا أيها النبي حرض المؤمنين علي القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} (الأنفال: 65).

وهدي النبي "صلى اللهُ عليه وسلَّم" يحثهم علي الجهاد: "من مات ولم يغز ولم تحدثه نفسه بالغزو مات علي شعبة من النفاق" (رواه مسلم وأبو داود والنسائي) "وإن الله ليدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في عمله الخير، ومنبله، والرامي به فارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، كل لهو باطل.

ليس من اللهو محمود إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبتُه أهلَه، ورميه بقوسه، فإنهن من الحق، ومن ترك الرمي رغبة عنه فإنما هو نعمة تركها أو كفرها" (رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم).

ويري الناس عقبةَ بن عامر (رضي الله عنه) يختلف بين الأغراض (أي يجري كي يصيب هدفًا بسهمه ثم يجري كي يصيب آخر)، فقيل له: نراك شيخًا كبيرًا يشق عليك (أي أنهم يشفقون عليه من هذا العناء)، فقال: والله لولا حديثٌ سمعتُه من رسول الله "صلى اللهُ عليه وسلَّم" لم أعَانِه "من تعلَّم الرمي ثم تركه فليس منا، أو: قد عصي" (رواه مسلم)، وقد أثِر عن النبي "صلى اللهُ عليه وسلَّم" أنه قام علي المنبر فقال فيها: "ألا إن القوة الرمي قالها ثلاثًا" (رواه مسلم).

ثمار التربية الجهادية

ولقد آتت تلك التربية الجهادية أكلها، ففي بدر قاتل المسلمون عدوًا يفوقهم عددًا وعُدة، وأبلي المسلمون البلاء الحسن، وضربوا أروع الأمثال، فكان حمزة وعلي ومئات من المجاهدين الأشداء طليعة المجاهدين في كل عصر وفي كل حين مستنصرين بالله مستعينين به مقاتلين تحت رايته، ليس لأحد منهم رغبة في الدنيا ولا نهمة ولا مطمع في سمعة أو مَحْمَدة أو ثناء، إذ إنهم وعوا تربية قائدهم: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" (رواه الشيخان).

ومن ثم حق لهم النصر من الله: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة} (آل عمران: 122)، {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} (البقرة: 249). وفي غزوة أحد كان حمزة أسدُ الله يقاتل بسيفين بتارين عن يمين وشمال، حتي استشهد، فكان سيد الشهداء، واستُشهد معه سبعون من كرام الصحابة المجاهدين، بل واستجاب المثخنون بالجراح لنداء قائدهم ونبيهم "صلى اللهُ عليه وسلَّم" بعد الغزوة، إذ أمرهم أن يلاحقوا المشركين بعد أن تركوا أرض المعركة، حتي لا يبيتوا علي إحساس بالقهر والهزيمة، وحتي لا يشْعروا المشركين بزهو الانتصار.

وقد أثني القرآن الكريم عليهم بقوله: {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم} (آل عمران: 172).

وتحامل الجرحي علي جراحاتهم، حتي إذا ما نزلوا بساحة المشركين، أوقع الله الرعب في أنفس هؤلاء، فولوا مدبرين، وعاد المسلمون فرحين مثقلين بالغنائم: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم} (آل عمران: 174).

وفي غزوة الأحزاب حيث اجتمع المشركون في ائتلاف مع اليهود، وأحاطوا بالمدينة من كل مكان، وإذا بسلمان الفارسي يشير علي الرسول "صلى اللهُ عليه وسلَّم" بحفر الخندق، ويستجيب النبي القائد لهذه المشورة، ويحفر بيديه الشريفتين مع جنود الله دون تمييز لنفسه، وينجح عدو الله عمرو بن عبد ود في اقتحام الخندق، ويطلب مَن يبارزه متحديا، فيبرز له علي بن أبي طالب، وما هي إلا ضربة واحدة بسيف أبي الحسن حتي يهوي علي أثرها عدو الله صريعًا، وأوقع الله الرعب في قلوب جحافل المشركين.

وما حديث خالد بن الوليد - وكان حديث عهد بالإسلام - يوم غزوة مؤتة ببعيد، فقد قال: اندقت في يدي تسعة أسياف بمؤتة، وما نفعتني إلا صفيحة يمانية "أي سيف يمني". والحديث في هذا المجال يتقاصر عن حصر تلك المآثر من ثمار تربية جهادية كريمة أخذ بها الرسول "صلى اللهُ عليه وسلَّم" أصحابه، فكانوا أعظم من جاهد في الله حق جهاده، وكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى