logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

موقف اليهود من رسالة الإسلام ومبدأ الصراع الديني
2017/6/12

أحمد زهران

الكفر والتكذيب، الالتواء واللجاجة، الكيد والدس، القسوة والجحود، التمرد والفسوق، القتل والذبح.. قل ما شئت من صفات الضلال والبهتان، هات كل ما تتذكره من أفعال المعاصي والاعتداء، ألق كل ما في جعبتك من سهام المكر والدهاء، ستجد في النهاية كل ذلك تفاعل معًا، في تناسق عجيب، وتفرّد غريب، لينتج لك في النهاية صورة اليهودي!

افتح المصحف، وعُدّ النعم التي أنعم الله بها علي بني إسرائيل، لن تستطيع لها عدًا أو حصرًا، سَلْهُم - كما أخبر الله في القرآن: {سَلْ بَنِي إسرائيلَ كم آتيناهُم من آيةٍ بينة} (البقرة: 211)، ثم انظر في عاقبة هذه النعم، وما قابلوها به من معاصٍ وانحرافات، وكلما نجّاهم الله من واحدة أوقعوا أنفسهم في أخري.

فما يكاد يعفو عنهم من معصية حتي يقعوا في خطيئة، وما يكادون ينجون من عثرة حتي يقعوا في حفرة.. ونفوسهم هي هي في التوائها وعنادها وإصرارها علي الالتواء والعناد، كما أنها هي هي في ضعفها عن حمل التكاليف، ونكولها عن الأمانة، ونكثها للعهد، ونقضها للمواثيق مع ربها ومع نبيها،  حتي لتبلغ أن تقتل أنبياءها بغير الحق، وتكفر بآيات ربها، وتعبد العجل، وتجدف في حق الله فترفض الإيمان لنبيها حتي تري الله جهرة، وتخالف ما أوصاها به الله وهي تدخل القرية، فتفعل وتقول غير ما أمرت به، وتعتدي في السبت، وتنسي ميثاق الطور، وتماحل وتجادل في ذبح البقرة التي أمر الله بذبحها لحكمة خاصة.

وهذا كله مع الادِّعاء العريض بأنها هي وحدها المهتدية، وأن الله لا يرضي إلا عنها، وأن جميع الأديان باطلة، وجميع الأمم ضالة عداها!"(1).

البداية

لقد كان اليهود علي يقين برسالة النبي (صلي الله عليه وسلم)، وأنه نبي آخر الزمان، فقد روي البخاري عن عطاء ابن يسار (رضي الله عنه) أنه قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص (رضي الله عنهما) فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله (صلي الله عليه وسلم) في التوراة? فقال: أجل؛ والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، لن يقبضه الله حتي يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميا، وآذانًا صُمًا، وقلوبًا غُلفًا".

وقد حكي القرآن الكريم شيئًا من هذه البشارات التي سجلتها الكتب السماوية السابقة عن بعثة النبي (صلي الله عليه وسلم) وعن رسالته، ومن ذلك قوله تعالي: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرِّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} (الأعراف: 157).

وقد تحدث العلماء الأثبات عن بشارات الأنبياء بمحمد (صلي الله عليه وسلم) وجمعوا عشرات النصوص التي ذكرت نعوته وصفاته، ومن ذلك ما أورده الإمام الماوردي في "أعلام النبوة": "وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوة محمد (صلي الله عليه وسلم) مما هو حجة علي أممهم، ومعجزة تدل علي صدقه عند غيرهم، بما أطلعه الله - تعالي - علي غيبه؛ ليكون عونًا للرسل؛ وحثًا علي القبول، فمنهم مَنْ عينه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلي قومه، ومنهم من أضافه إلي بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره.

وقد حقق الله - تعالي - هذه الصفات جميعها فيه، حتي صار جليا بعد الاحتمال، ويقينًا بعد الارتياب"(2). كذلك مما يشهد بوجود النبي (صلي الله عليه وسلم) في التوراة، ما أخرجه الإمام أحمد عن أبي صخرة العقيلي قال: حدثني رجل من الأعراب فقال: جلبتُ حلوبة(3) إلي المدينة في حياة النبي (صلي الله عليه وسلم) فلما فرغت من بيعي قلت: لألقين هذا الرجل فلأسمعن منه، قال: فتلقاني بين أبي بكر وعمر يمشيان، فتبعتهم حتي إذا أتوا علي رجل من اليهود وقد نشر التوراة يقرؤها يعزي بها نفسه عن ابن له في الموت كأجمل الفتيان وأحسنها، فقال له رسول الله (صلي الله عليه وسلم): "أنشدك بالذي أنزل التوراة هل تجد في كتابك هذا صفتي ومخرجي?". فقال برأسه هكذا، أي: لا، فقال ابنه: إِيْ والذي أنزل التوراة إنا نجد في كتبنا صفتك ومخرجك، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله. فقال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): "أقيموا اليهودي عن أخيكم" ثم تولي كفنه، والصلاة عليه(4).

كان المتوقع - بحق - أن يكون اليهود هم أول من يرحب بالنبي (صلي الله عليه وسلم) ويتبعونه فقد كانوا يستفتحون علي الذين كفروا - من الأوس والخزرج قبل الإسلام - كما روي ذلك ابن إسحق عن صفية بنت حُيي بن أخطب قالت: "كنتُ أحبَّ ولد أبي إليه وإلي عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غَدَا عليه أبي: حُيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر، فلم يرجعا حتي كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالَّين، كسلانين، ساقطين يمشيان الهُويني، قالت: فهششت إليهما كما كنتُ أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما؛ لما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي يقول لأبي: أهو هو? قال: نعم والله؛ قال: أتعرفه وتثبته? قال: نعم. قال: فما في نفسك منه? قال: عداوته ما بقيتُ!(5)

وهذا مصداق لقول الله - تعالي - في القرآن: {ولَمَّا جاءهم كتاب من عند الله مصدِّقٌ لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون علي الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله علي الكافرين} (البقرة: 89). وقد ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية آثارًا متعددة، منها: ما جاء عن عاصم بن عمرو بن قتادة الأنصاري، عن رجال من قومه قالوا: مما دعانا إلي الإسلام مع رحمة الله وهداه، أنا كنا نسمع من رجال يهود حين كنا أهل شرك، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس عندنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فكنا إذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا: قد تقارب زمان نبي يبعث الآن، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله محمدًا (صلي الله عليه وسلم) رسولاً من عند الله، أجبنا حين دعانا إلي الله، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به وكفروا به، ففينا وفيهم نزل قوله تعالي: {ولما جاءهم كتاب من عند الله...}(6).

وتحدثنا كتب السيرة أن معاذ بن جبل وبشر بن البراء قالا لليهود: "يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد، ونحن أهل شرك، وتخبروننا أنه مبعوث، وتصفونه لنا بصفته. فقال أحدهم: ما جاءنا محمد بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره لكم!"(7).

القرآن يكشف أستارهم

لقد كان الواجب يحتم علي اليهود أن يكونوا أول من آمن برسول الله (صلي الله عليه وسلم) وهو يدعوهم إلي التوحيد والعمل، وإلي تنفيذ أحكام الله والتزام حدوده، ولكنهم - كما يقول شيخنا الغزالي - (رحمه الله): "صمتوا صمت المستريب، ثم بدا لهم فقرروا المعالنة بالجحود"(8). غير أننا حينما نقلب صفحات القرآن، نجد طائفة أخري من الآيات تتحدث عن أسباب هذا العداء، ومن ذلك علي سبيل المثال قوله تعالي: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله علي من يشاء من عباده فباءوا بغضب علي غضب وللكافرين عذاب مهين} (البقرة: 90).

يقول صاحب الظلال: "بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا.. لكأن هذا الكفر هو الثمن المقابل لأنفسهم! والإنسان يعادل نفسه بثمن ما، يكثر أو يقل. أما أن يعادلها بالكفر فتلك أبأس الصفقات وأخسرها، ولكن هذا هو الواقع، وإن بدا تمثيلاً وتصويرًا. لقد خسروا أنفسهم في الدنيا فلم ينضموا إلي الموكب الكريم العزيز، ولقد خسروا أنفسهم في الآخرة بما ينتظرهم من العذاب المهين. وبماذا خرجوا في النهاية؟ خرجوا بالكفر، هو وحده الذي كسبوه وأخذوه! وكان الذي حملهم علي هذا كله هو حسدهم لرسول الله (صلي الله عليه وسلم) أن يختاره الله للرسالة التي انتظروها فيهم، وحقدهم لأن ينزل الله من فضله علي من يشاء من عباده، وكان هذا بغيا منهم وظلمًا، فعادوا من هذا الظلم بغضب علي غضب، وهناك ينتظرهم عذاب مهين، جزاء الاستكبار والحسد والبغي الذميم.

وهذه الطبيعة التي تبدو هنا في يهود هي الطبيعة الكنود، طبيعة الأثرة الضيقة التي تحيا في نطاق من التعصب الشديد، وتحس أن كل خير يصيب سواها كأنما هو مقتطع منها، ولا تشعر بالوشيجة الإنسانية الكبري التي تربط البشرية جميعًا. وهكذا عاش اليهود في عزلة، يحسون أنهم فرع مقطوع من شجرة الحياة، ويتربصون بالبشرية الدوائر، ويكنون للناس البغضاء، ويعانون عذاب الأحقاد والضغائن، ويذيقون البشرية رَجْع هذه الأحقاد فتنًا يوقدونها بين بعض الشعوب وبعض، وحروبًا يثيرونها ليجروا من ورائها المغانم، ويرووا بها أحقادهم التي لا تنطفئ، وهلاكًا يسلطونه علي الناس، ويسلطه عليهم الناس.

وهذا الشر كله إنما نشأ من تلك الأثرة البغيضة: {بغيا أن ينزِّل الله من فضله علي من يشاء من عباده}(9). إذن فالكفر والحسد كانا هما السبب الأول في إظهار العداوة والتكذيب للرسول (صلي الله عليه وسلم) من قِبَل يهود؛ يقول تعالي: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتي يأتي الله بأمره إن الله علي كل شيء قدير} (البقرة: 109).

والقرآن بهذا يُبيِّن - في جلاء من دون مواربة - أن نفوسَ هؤلاء اليهود نفوسٌ مُعوجّة، ضالة، شاردة، فالنفوس الخيرة تبحث عن الخير وتتبعه؛ لأنها تعلم أن به قوام حياتها، وأن به صلاحها وفلاحها، أما أن تقف هذا الموقف الحقود اللئيم: حب الأثرة والأنانية، والرغبة في سلب الخير الذي أنعم الله به علي الغير - فلا يفسر ذلك إلا بأن مقدار السواد والغشاوة علي الأعين والآذان، كان كثيفًا للدرجة التي عميت فيه وصُمَّت عن اتباع أو سماع الهدي.

يقول صاحب الظلال: "الحسد: هو ذلك الانفعال الأسود الخسيس الذي فاضت به نفوس اليهود تجاه الإسلام والمسلمين، وما زالت تفيض، وهو الذي انبعثت منه دسائسهم وتدبيراتهم كلها وما تزال. وهو الذي يكشفه القرآن للمسلمين ليعرفوه، ويعرفوا أنه السبب الكامن وراء كل جهود اليهود لزعزعة العقيدة في نفوسهم، وردهم بعد ذلك إلي الكفر الذي كانوا فيه، والذي أنقذهم الله منه بالإيمان، وخصهم بهذا بأعظم الفضل وأجل النعمة التي تحسدهم عليها يهود!"(10).

وذكر القرآن الكريم عشرات الآيات التي تحدثت عن هذه العداوة الدينية من قبل اليهود لنبي الإسلام وللمسلمين معه، بل ولأنبياء الله جميعًا، حتي الملائكة أنفسهم لم يسلموا من هذه العداوة. يروي ابن هشام أن نفرًا من أحبار يهود جاءوا إلي رسول الله (صلي الله عليه وسلم) فقالوا: يا محمد: أخبرنا عن أربع. قال: فقال لهم رسول الله (صلي الله عليه وسلم) عليكم بذلك عهد الله وميثاقه لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدّقُنّي. قالوا: نعم. قال: فاسألوا عما بدا لكم. فسألوا فأجابهم ثم قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمونه جبريل وهو الذي يأتيني? قالوا: اللهم نعم، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء، ولولا ذلك لاتبعناك! فسجل القرآن ذلك: {قل من كان عدوًا لجبريل فإنه نزّله علي قلبك بإذن الله مصدقًا لما بين يديه وهدي وبشري للمؤمنين. من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين} (البقرة: 97، 98)(11).

ومن هذا وغيره نفهم استخفافهم بالدين، وبما جاء به رسول الله (صلي الله عليه وسلم)، كما يروي ذلك ابن إسحاق: قال: "قال نفر من أهل الكتاب: تعالوا نؤمن بما أنزل علي محمد وأصحابه غدوة، ونكفر به عشية؛ حتي نلبس عليهم دينهم؛ لعلهم يصنعون كما نصنع، ويرجعون عن دينه، وفي هذا يقول القرآن الكريم: {وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل علي الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون} (آل عمران: 72)"(12).

وهكذا أوقدوا نار العداوة، ونفخوا فيها حتي أجَّجوها، وما قعدوا عن حرب الإسلام، وإنما حاربوه وجهًا لوجه تارة، ومن وراء ستار تارة أخري، مرة يحاربونه بأيديهم، وأخري يسلطون عليه من أهله من يحاربه لهم تحت ستار، ويعلنون في كل صلف وكبر وغرور أنهم لا يريدون الإسلام؛ لا لأنه الدين الحق، وإنما لأنهم يخشونه علي مصالحهم وسلطانهم، ولا غرو فقد فضحهم القرآن دينيا، وبين كفرهم وفسوقهم وعنادهم، ولكن النزاع لم يكن دينيا وحسب، وإنما كانت له أوجه اجتماعية وسياسية واقتصادية.

---------------------------------
الحـواشي:

(1) في ظلال القرآن ج1، ص 64، 65.
(2) الباب الخامس عشر: فصل "بشائر الأنبياء بنبوة محمد (صلي الله عليه وسلم)" نقلاً عن "الرحمة المهداة" لفضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوي.
(3) الحلوبة: الشاة ذات اللبن، وهي للواحد والجمع.
(4) تفسير ابن كثير جـ2، ص 251.
(5) انظر ابن هشام جـ2، ص 165.
(6) تفسير ابن كثير جـ1، ص 123.
(7) انظر ابن هشام جـ2، ص 196.
(8) فقه السيرة ص 218.
(9) في ظلال القرآن جـ1، ص 90.
(10) السابق ص 102.
(11، 12) السيرة النبوية في القرآن الكريم د. عبد الصبور مرزوق ص139 - 140، ص 148، 149.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى