logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

مقومات الخطبة الناجحة.. الموضوع المؤثر
2017/6/24

أحمد عبد المنعم

أصبح الإنسان في دنيانا فريسة تتصارع عليها أمواج وسائل الإعلام المتلاطمة، وتتقاذفها تيارات الأفكار الصاخبة، التي ملأت الدنيا صخبًا وضجيجًا. وفي هذا الصخب المذهل يكاد الإنسان المسلم لا يسمع صوت الحق يعلو إلا مرة واحدة كل أسبوع، ويصمت صمتًا تامًا حتي تتم دورة الأسبوع.. ذلك هو صوت خطيب الجمعة.. وخطيب الجمعة وسط ضجيج وسائل الإعلام المتعددة - والتي تطور نفسها، وتقدم لمستمعيها ومشاهديها ومتابعيها وقارئيها كل يوم جديدًا - مطالب بأن يقدم هو الآخر جديدًا، يستميل به قلوب الناس إليه، ويمد به يدًا تنقذ الناس من الغرق في بحار الإفك والبهتان، أو يضيء به شمعة تضيء للناس ظلام ليل حالك، فتقيلهم من عثرتهم، وتفتح لهم باب "اتصال" جديدًا، ليس بالخطيب وما يعرضه، وإنما بالله سبحانه وتعالي، فتتجدد القلوب، وتنتفض الأبدان، وتستوثق عري الإيمان.

موضوع الخطبة:

يُقصد بالموضوع: الفكرة التي يراد لها أن تصل إلي الناس، ولكي تصل أفكارنا كاملة واضحة لابد أن يراعي الخطيب بعض الأمور، منها:

1. الفكرة العامة التي تربط أطراف الحديث بعضه ببعض، وهو ما يسميه البعض "وحدة الموضوع" فلا يمكن أن تكون خطبة جيدة تلك التي تعتمد علي "نُتَفٍ" يلتقطها الخطيب من هنا وهناك، وإلا تشتتت أذهان المستمعين.

2. ينبغي أن يكون الموضوع مباشرًا نحو الهدف، فأنت تريد لفكرتك أن تصل إلي عقول الناس وقلوبهم فابتعد - إذًا - عن الدروب الحلزونية، وعن لي المعاني، أو الغرابة الشديدة التي لا يفقهها الناس، وإلا أصيبوا بسآمة وضجر.

3. أنت تحدث الناس، وينبغي لك أن تحدث الناس بما يشحذ هممهم، وينبه أسماعهم، ويسكن في قلوبهم، ولذا لزم أن يكون الموضوع حيًا يستمد من الواقع لا من خيالات الخطيب.

يقول الفارابي: "إن أنفع الطرق التي يسلكها الخطيب: تأمل أحوال الناس وأعمالهم وتصرفاتهم، ما شهدها وما غاب عنها، ما سمعه أو تنامي إليه منها، وأن يمعن بالنظر فيها، ويميز محاسنها ومساوئها، ويبين النافع والضار لهم منها، ثم يجتهد في التمسك بمحاسنها، وحض الناس علي طلبها لينالوا من منافعها"، ولو فعل الداعية ذلك، وصوّر كلاً في صورته الطبيعية الدارجة، وعالجه بروحه الرباني، ووزنه بميزانه الإلهي، فقد بلغ الرسالة - في ظني - وسيجد أن كلامه قد شق له طريقًا في الأسواق، وسيطر علي الأندية، ودخل البيوت، واستقر مع الناس في مخادعهم؛ لأن الحياة تولّت حمله إلي كل ذلك.

4. الإيضاح الكافي الذي يجعل كل الناس فاهمين لكل ما قيل، فيستعين الخطيب بنصوص من الكتاب والسنة، ويضرب الأمثال، ويعرض بعضًا من القصص القصيرة مستخلصًا منها العبر، تأسيا بكتاب الله تعالي في ضرب الأمثال، وتوجيه الأمة إلي الاعتبار بقصص مَنْ تقدَّمها من الأمم.

5. علي الخطيب أن يجمع في أسلوبه بين التبشير والتحذير، ولا يعدل عن ذلك إلا في الحالات النادرة، فذلك هو ما اختاره الله لعباده: {إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا} (الفتح: 8) وهذه هي صفة الدعاة في كل جيل وكل عصر، والله (عز وجل) حينما يتحدث عن مغفرته، يتحدث عن عقوبته: {إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأعراف: 167)، {نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم. وأن عذابي هو العذاب الأليم} (الحجر: 49، 50).

حتي في ذكر صفات أهل السعادة يتبعها الله بذكر صفات أهل الشقاوة: {وجوه يومئذ مسفرة. ضاحكة مستبشرة. ووجوه يومئذ عليها غبرة. ترهقها قترة} (عبس: 38، 41).

والسر في ذلك أن القرآن يخاطب أصنافًا مختلفة من الناس، فمنهم من تسوقه الرغبة سوقًا إلي فعل الخيرات واجتناب المحظورات، ومنهم من لا يستجيب لذلك إلا إذا صدعت قلبه قوارع التهديد. ويمكن أن يقتصر الخطيب علي جانب واحد فقط عند الضرورة، وهذا أيضًا نجده في القرآن، فسورة الكوثر تشتمل علي جانب التبشير المحض، وسورتي التكاثر والهمزة تشتملان علي جانب التحذير المحض.. وهكذا.

6. لابد من إيجاد عاطفة الحب بينك وبين مستمعيك، وهذه لا توجد إلا إذا شعر الناس بصدقك - بوصفك خطيبًا تعلو المنبر - وصدقك ينبع من عاطفة متقدة، ومشاعر ملتهبة، ونفس ملتاعة، وحرارة وحماسة تحركان قلوب الناس وتحلقان بهم.

يقول الأستاذ عبد الرحمن خليف: "بمقدار ما في عاطفة الخطيب من حرارة يكون اقتداره علي إلهاب عواطفهم، وتحريك مشاعرهم المختلفة من رغبة واشتياق إلي ندم وحسرة، ومن تعجُّب واستياء إلي حنقٍ واستنكار، ومن تفجُّع وإشفاق إلي غضب ونقمة، ومن تطلُّع وانتظار إلي مسرة وابتهاج، وهكذا تتسرب مشاعره الحارة إلي نفوسهم فتفعل فيها ما يفعل السحر، وخصوصًا إذا كان العرض في بيان رفيع وإلقاء جيد، فإن ذلك هو السحر المبين: "إن من البيان لسحرًا" (رواه أحمد).

7. ينبغي أن يكون الموضوع المعروض ذا تصور مقبول، بحيث يعرض في صورة سهلة شيقة بعيدة عن الإغراق في المبالغات، وهذه الصورة هي الأداة المثلي لتقريب ما يدعو إليه الخطيب من أذهان مستمعيه، وقد قيل: "نشاط المحدث علي قدر فهم المستمع". يقول بشر الحافي: "... فإذا أمكنك أن تبْلُغَ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك، واقتدارك علي نفسك، أن تُفهم العامة معاني الخاصة، وتكسوهما الألفاظ المتوسطة التي لا تلطف علي الدهماء، ولا تجفو علي الأكفاء.. فأنت البليغ التام".

8. احرص علي الاهتمام بما يجدد نشاط السامعين ويشد انتباههم إليك عن طريق:

(أ). أسلوب التساؤل، فمثلاً تسأل السامعين عن الحكم الشرعي في قضية ما، وتذكر أن كثيرًا من الناس يجهلونه، وأنه لا ينبغي للمسلم أن يجهل مثل هذه الأحكام. أو أن تتساءل عن علم السامعين بحادث اهتزت له القلوب، وامتلأت فيه النفوس ألمًا وحسرة، وهكذا.

وهذا أسلوب كان ينتهجه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) كثيرًا، فقد روي الحاكم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلي الله عليه وسلم): "أتحبون أيها الناس أن تجتهدوا في الدعاء? قولوا: اللهم أعنا علي ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، وفي خطبته يوم الحج الأكبر يقول: "أي يوم أعظم حرمة? أي شهر أعظم حرمة? أي بلد أعظم حرمة?.. ألا هل بلّغت?" (رواه أحمد وغيره).

(ب). البداية بنصوص القرآن والسنن وتفسيرهما مع ربط واقع الأمة بتلك النصوص، أو بالحقائق المثيرة التي تنبه الناس وتستولي عليهم وحبذا لو كانت معاصرة لحياتهم، أو بما يلفت أنظار الناس لما فيه من الإثارة والانتباه، وما أروع ما استهل به الإمام أحمد بن حنبل (رضي الله عنه) قال: "هاهنا حصن حصين - وأشار إلي شيء بجانبه عليه غطاء - حصن أملس ليس له باب ولا منفذ، ظاهره كالفضة البيضاء، وباطنه كالذهب الإبريز، فبينما هذا الحصن كذلك، إذ تصدّع جداره فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح.. فلما أثار الإمام أشواق الناس وبعثهم علي التطلع، كشف الغطاء، فإذا بيضةٌ مشقوقة وبجانبها فرخها الصغير الذي خرج حديثًا للدنيا.. ثم شرح الإمام لمستمعيه قوله سبحانه: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي} (آل عمران: 27 ).

(جـ). اعرض في خطبك موضوعات ثرية، لا تتسع خطبة واحدة لها، وإنما تقسمها علي عدة خطب، وهو ما نسميه "السلسلة المتواصلة"، واحرص أن تختم كل حلقة بما يترك المستمعين في تشوُّق إلي معرفة ما بعدها. وتذكر قول أحد  العلماء بهذا الشأن: "إن للمحدث علي جليسه: أن يجمع له باله، ويصغي إلي حديثه، ويكتم عليه سره، ويبسط له عذره". د - رواية قصة: فالإنسان بطبعه يميل إلي حب القصص التي تثير في نفسه كل عوامل الانتباه واليقظة؛ لأنها أقرب وأقصر طريق لإيصال الفكرة إلي عقول الناس وقلوبهم، ولذلك حوي القرآن الكريم عشرات القصص عن الأنبياء السابقين، والأمم الغابرين: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب..} (يوسف: 111).

الخاتمة:

إن نهاية كل موضوع هي آخر ما يعلق بأذن السامعين، فينبغي أن يكون أكثر استقرارًا في أذهانهم، وأبلغ أثرًا في نفوسهم، وللخطباء فيها مذاهب شتي، وطرائق متعددة، فمنهم من يضمنها تلخيصًا لأهم عناصر الموضوع، ومنهم من يجمع فيها أبلغ ما يحرك العواطف ويثير الحماس، ومنهم من يجمع بين الطريقتين. ولكي تكون الخاتمة حسنة مؤثرة عليك أن تتبع الآتي:

(أ). التلخيص والتركيز: تلخيص كل عناصر موضوع الخطبة، والتركيز علي أهم هذه العناصر في وقت لا يتجاوز ثلاث أو خمس دقائق.

(ب). اُدع الناس إلي عمل شيء مَّا؛ لأن يكونوا إيجابيين لا سلبييين، متفاعلين لا منطوين، وبين لهم الفوائد التي تعود عليهم من إنجاز مثل هذه الأعمال، والمضار التي تنجم عن إهمالهم لها.

(جـ). اختم بالقرآن الكريم، أو بدعاء رقيق للسامعين ولجميع المؤمنين، وخير الدعاء ما ورد في كتاب الله وسنة رسوله (صلي الله عليه وسلم). ومن الخطباء من كان يلتزم دعاءً معينًا في الخاتمة، يقول ابن عبد ربه في "العقد الفريد": ".

وكان آخر كلام أبي بكر الذي إذا تكلم به عُرِف أنه قد فرغ من خطبته: اللهم اجعل خير زماني آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك". وكان آخر كلام عمر: "اللهم لا تدعني في غمرة، ولا تأخذني علي غرة، ولا تجعلني من الغافلين".

(د). اختر اللحظة المناسبة للنهاية، وقد قيل: إن هذه اللحظة تجيء عندما يكون المستمعون راغبين في المزيد من حديثك، وقيل: إنها تكون بعد أن تبلغ هدفك مباشرة.. في هذه اللحظة يمكنك أن تنهي الحديث.

------------------------
أهم المراجع:

1. الخطابة في موكب الدعوة (د. محمود محمد عمارة).
2. كيف تكـــــون خطيبـًا? (د. عبد الرحمن خليف).
3. فن الخطابة وإعداد الخطيب (الشيخ/ علي محفوظ).
4. الخطابة ( الشيخ/ محمد أبو زهرة).
5. لقاء الجماهير (د. أكرم رضا).
6. البيان والتبيين (أبو عثمان الجاحظ).
7. العقد الفريد (ابن عبد ربه).
8. الدعوة المؤثرة (أ. جمال ماضي).

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى