logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

أول خطبة في المسجد الأقصي بعد تحريره من الصليبيين
2017/7/19

تحررت القدس من الرجس الصليبي في يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب سنة 583هـ، لكن الوقت لم يكن كافيا ليقيم المسلمون صلاة الجمعة في المسجد الأقصي، فانتظر القائد العظيم صلاح الدين إلي الجمعة التالية، وتطلع العلماء حينها لنيل شرف إلقاء الخطبة الأولي في الأقصي بعد تحريره، فاختار صلاح الدين لهذه المهمة عالمًا شابًا كان "يعزه ويحترمه" - كما قال الذهبي - هو القاضي ابن الزكي.

وابن الزكي - صاحب هذه الخطبة - هو القاضي أبو المعالي محيي الدين محمد بن علي بن محمد بن يحيي الدمشقي الفقيه الشافعي، يرتفع نسبه إلي الصحابي الشهيد عثمان بن عفان (رضي الله عنه) لقَبُه محيي الدين، وشهرته ابن زكِي الدين. ولد بدمشق سنة 550هـ، وتوفي بها سنة 598هـ. اشتهر بيته بالقضاء، فقد كان أبوه وجده وجد أبيه من قضاة دمشق، وولاه صلاح الدين قضاء حلب سنة 579هـ، وقضاءَ دمشق في سنة 588هـ، وَوَلِي والده الطاهر ويحيي القضاء أيضًا.

كان ابن الزكي أحد الرجال الكبار في الجيل الذي حرر القدس مع صلاح الدين، وكان له موقف طريف قبل هذا الفتح بثلاث سنوات وبضعة أشهر، فعقب دخول صلاح الدين مدينة حلب في صفر سنة 579هـ، أنشده ابنُ الزَّكِي قصيدة، منها قوله: وفتْحُك القلعةَ الشهباءَ في صفر مُبشّر بفتوح القدس في رجب وفي رجب سنة 583هـ تحققت بشري ابن الزكي، وحين سئل عن بشارته، قال: أخذتُها من تفسير ابن برّجان في قوله تعالي: {الم. غُلبت الروم في أدني الأرض وهم من بعد غَلَبهم سيغلبون. في بضع سنين}؛ فقد جاء في تفسير أبي الحكم الأندلسي "ابن برّجان" لأول سورة الروم أخبارٌ عن فتح بيت المقدس، وأنه ينزع من أيدي النصاري سنة 583هـ".

مقدمة تنضح بالحمد

قال ابن الزكيفي خطبته: {فقُطِعَ دابرُ القوم الذين ظلموا والحمدُ لله رب العالمين}، الحمد لله معزِّ الإسلام بنصره، ومذلِّ الشرك بقهره، ومصرِّف الأمور بأمره، ومُزِيد النعم بشكره، ومستدرج الكافرين بمكره، الذي قدر الأيام دُوَلاً بعدله، وجعل العاقبة للمتقين بفضله، وأفاض علي العباد من طلّه وهطله، الذي أظهر دينه علي الدين كله، القاهرِ فوق عباده فلا يمانَع، والظاهر علي خليقته فلا ينازع، الآمر بما يشاء فلا يراجع، والحاكم بما يريد فلا يدافع - أحمده علي إظفاره وإظهاره وإعزازه لأوليائه، ونصره أنصاره، ومطهر بيت المقدس من أنجاس الشرك وأوضاره - حمد من استشعر الحمدَ باطنُ سره، وظاهر إجهاره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، شهادة من طُهر بالتوحيد قلبه، وأرضي به ربه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله رافع الشكر، وداحض الشرك، ورافض الإفك، الذي أسري به من المسجد الحرام إلي هذا المسجد الأقصي، وعُرِج به منه إلي السموات العلي، إلي سدرة المنتهي، عندها جنة المأوي، ما زاغ البصر وما طغي، (صلي الله عليه وسلم) وعلي خليفته الصديق، السابق إلي الإيمان، وعلي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أول من رفع عن هذا البيت شعار الصلبان، وعلي أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ذي النورين، جامع القرآن، وعلي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، مزلزل الشرك، ومكسر الأصنام، وعلي آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان".

ذكر النعمة

"أيها الناس، أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوي، والدرجة العليا، لما يسره الله علي أيديكم من استرداد هذه الضالة، من الأمة الضالة، وردها إلي مقرها من الإسلام، بعد ابتذالها في أيدي المشركين قريبًا من مائة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع ويذكر فيه اسمه، وإماطة الشرك عن طرقه بعد أن امتد عليها رواقه، واستقر فيه رسمه، ورفع قواعده بالتوحيد، فإنه بني عليه وشيد بنيانه بالتمجيد، فإنه أسس علي التقوي من خلفه ومن بين يديه.

من فضائل القدس

فهو موطن أبيكم إبراهيم، ومعرج نبيكم محمد (عليه الصلاة والسلام) وقبلتكم التي كنتم تصلون إليها في ابتداء الإسلام، وهو مقر الأنبياء، ومقصد الأولياء، ومدفن الرسل، ومهبط الوحي، ومنزل به ينزل الأمر والنهي، وهو في أرض المحشر وصعيد المنشر، وهو في الأرض المقدسة التي ذكرها الله في كتابه المبين، وهو المسجد الذي صلي فيه رسول الله (صلي الله عليه وسلم) بالملائكة المقربين، وهو البلد الذي بعث الله إليه عبده ورسوله وكلمته التي ألقاها إلي مريم، وروحه عيسي الذي كرّمه برسالته وشرّفه بنبوّته، ولم يزحزحه عن رتبة عبوديته، فقال تعالي: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدًا لله ولا الملائكة المقربون} (النساء: 172) كذب العادلون بالله وضلوا ضلالاً بعيدًا {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذًا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم علي بعض سبحان الله عما يصفون} (المؤمنون: 91) {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} (المائدة: 17) إلي آخر الآيات من المائدة، وهو أول القبلتين، وثاني المسجدين، وثالث الحرمين، لا تُشدّ الرحال بعد المسجدين إلا إليه، ولا تعقد الخناصر بعد الموطنين إلا عليه.

جيش النصر

فلولا أنكم ممن اختاره الله من عباده، واصطفاه من سكان بلاده، لما خصكم بهذه الفضيلة التي لا يجاريكم فيها مُجارٍ، ولا يباريكم في شرفها مُبارٍ، فطوبي لكم من جيش ظهرت علي أيديكم المعجزات النبوية، والواقعات البدرية، والعزمات الصدّيقية، والفتوحات العُمَرية، والجيوش العثمانية، والفتكات العلوية، جددتم للإسلام أيام القادسية، والملاحم اليرموكية، والمنازلات الخيبرية، والهجمات الخالدية، فجزاكم الله عن نبيه محمد (صلي الله عليه وسلم) أفضل الجزاء، وشكر لكم ما بذلتموه من مُهَجكم في مقارعة الأعداء، وتقبّل منكم ما تقرّبتم به إليه من مُهراق الدماء، وأثابكم الجنة فهي دار السعداء، فاقْدُروا (رحمكم الله) هذه النعمة حق قدرها، وقوموا لله تعالي بواجب شكرها، فله تعالي المنة عليكم بتخصيصكم بهذه النعمة، وترشيحكم لهذه الخدمة، فهذا هو الفتح الذي فُتحت له أبواب السماء، وتبلجت بأنواره وجوه الظَلْماء، وابتهج به الملائكة المقربون، وقرّ به عينًا الأنبياء والمرسلون، فماذا عليكم من النعمة بأن جعلكم الجيش الذي يفتح علي يديه البيت المقدس في آخر الزمان، والجند الذي تقوم بسيوفهم بعد فترة من النبوة أعلام الإيمان، فيوشك أن يفتح الله علي أيديكم أمثاله، وأن تكون التهاني لأهل الخضراء، أكثر من التهاني لأهل الغبراء، أليس هو البيت الذي ذكره الله في كتابه، ونص عليه في محكم خطابه، فقال تعالي: {سبحان الذي أسري بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي} (الإسراء:1) أليس هو البيت الذي عظمته الملل، وأثنت عليه الرسل، وتُليت فيه الكتب الأربعة المنزلة من الله (عز وجل)? أليس هو البيت الذي أمسك الله تعالي لأجله الشمس علي يوشع أن تغرب، وباعد بين خطواتها ليتيسر فتحه ويقْرب? أليس هو البيت الذي أمر الله (عز وجل) موسي أن يأمر قومه باستنقاذه فلم يجبه إلا رجلان، وغضب الله عليهم لأجله، فألقاهم في التيه عقوبة للعصيان? فاحمدوا الله الذي أمضي عزائمكم لما نكلت عنه بنو إسرائيل، وقد فضلت علي العالمين، ووفقكم لما خذل فيه أممًا كانت قبلكم من الأمم الماضين، وجمع لأجله كلمتكم وكانت شتي، وأغناكم بما أمضته (كان) و(قد) عن (سوف) و(حتي)، فليهنكم أن الله قد ذكركم به فيمن عنده، وجعلكم بعد أن كنتم جنودًا لأهويتكم جندَهُ، وشكر لكم الملائكة المنزلون، علي ما أهديتم لهذا البيت من طيب التوحيد ونشر التقديس والتمجيد، وما أمطتم عن طرقهم فيه من أذي الشرك والتثليث، والاعتقاد الفاجر الخبيث؛ فالآن تستغفر لكم أملاك السماوات، وتصلي عليكم الصلوات المباركات.

احرسوا النعم بالتقوي

فاحفظوا (رحمكم الله) هذه الموهبة فيكم، واحرسوا هذه النعمة عندكم، بتقوي الله التي مَن تمسك بها سلم، ومَن اعتصم بعروتها نجا وعُصم، واحذروا من اتباع الهوي، ومواقعة الردي، ورجوع القهقري، والنكول عن العداء، وخذوا في انتهاز الفرصة، وإزالة ما بقي من الغُصّة، وجاهدوا في الله حق جهاده، وبيعوا - عباد الله - أنفسكم في رضاه؛ إذ جعلكم من خير عباده، وإياكم أن يستزلَّكم الشيطان، وأن يتداخلكم الطغيان، فيخيل لكم أن هذا النصر بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، وبجلادكم في مواطن الجلاد، لا والله ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم. فاحذروا - عباد الله - بعد أن شرفكم بهذا الفتح الجليل، والمنح الجزيل، وخصكم بنصره المبين، وأعلق أيديكم بحبله المتين - أن تقترفوا كبيرًا من مناهيه، وأن تأتوا عظيمًا من معاصيه، فتكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، وكالذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. والجهادَ الجهادَ فهو من أفضل عباداتكم، وأشرف عاداتكم، انصروا الله ينصركم، احفظوا الله يحفظكم، اذكروا الله يذكركم، اشكروا الله يزدكم ويشكركم.

دعـوة لمواصلة الجهاد

جدوا في حَسْم الداء، وقلع شأفة الأعداء، وطهروا بقية الأرض من هذه الأنجاس التي أغضبت الله ورسوله، واقطعوا فروع الكفر، واجتثوا أصوله، فقد نادت الأيام: يا للثارات الإسلامية، والملة المحمدية!! الله أكبر، فَتَحَ الله ونَصَر، غلبَ اللهُ وقَهَر، أذلَّ الله مَن كَفَر، واعلموا (رحمكم الله) أن هذه فرصة فانتهزوها، وفريسة فناجزوها، وغنيمة فحُوزُوها، ومهمة فأخرجوا لها هممكم وأبرزوها، وسيروا إليها سرايا عزماتكم وجهزوها، فالأمور بأواخرها، والمكاسب بذخائرها، فقد أظفركم الله بهذا العدو المخذول، وهم مثلكم أو يزيدون، فكيف وقد أضحي قبالة الواحد منهم منكم عشرون، وقد قال الله تعالي: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين، وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون} (الأنفال: 65).

أعاننا الله وإياكم علي اتباع أوامره، والازدجار بزواجره، وأيدنا معاشر المسلمين بنصر من عنده {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده} (آل عمران: 160) إن أشرف مقال يقال في مقام، وأنفذ سهام تمرق عن قسي الكلام، وأمضي قول تحل به الأفهام كلام الواحد الفرد العزيز العلام، قال الله تعالي: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (الأعراف: 294)، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وقرأ أول سورة الحشر، ثم قال: آمركم وإياي بما أمر الله به مِن حُسن الطاعة فأطيعوه، وأنهاكم وإياي عما نهاكم عنه من قُبح المعصية فلا تعصوه، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين فاستغفروه.

الدعـاء لصلاح الدين

ثم خطب الخطبة الثانية علي عادة الخطباء مختصرة، ثم دعا للإمام الناصر خليفة العصر، ثم قال: اللهم وأدم سلطان عبدِك الخاضعِ لهيبتك، الشاكرِ لنعمتك، المعترفِ بموهبتك، سيفِك القاطع، وشهابِك اللامع، والمحامي عن دينك المدافع، والذابِّ عن حرمك الممانع، السيدِ الأجل، الملكِ الناصر، جامعِ كلمة الإيمان، وقامعِ عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطانِ الإسلام والمسلمين، مطهرِ البيتِ المقدس أبي المظفر يوسف بن أيوب، محيي دولة أمير المؤمنين. اللهم عُمَّ بدولته البسيطة، واجعل ملائكتك براياته محيطة، وأحسن عن الدين الحنيفي جزاءه، واشكر عن الملة المحمدية عزمه ومضاءه، اللهم أبق للإسلام مهجته، ووق للإيمان حوزته، وانشر في المشارق والمغارب دعوته، اللهم كما فتحت علي يديه البيت المقدس بعد أن ظُنَّت الظنون، وابتُلي المؤمنون، فافتح علي يديه داني الأرض وقاصيها، ومَلِّكه صياصي الكفر ونواصيها، فلا تلقاه منهم كتيبة إلا مزقها، ولا جماعة إلا فرقها، ولا طائفة بعد طائفة إلا ألحقها بمن سبقها، اللهم اشكر عن محمد (صلي الله عليه وسلم) سعيه، وأنفذ في المشارق والمغارب أمره ونهيه، اللهم وأصلح به أوساط البلاد وأطرافها، وأرجاء الممالك وأكنافها، اللهم ذلل به معاطس الكفار، وأرغم به أنوف الفجّار، وانشر ذوائب ملكه علي الأمصار، وابثث سرايا جنوده في سبيل الأقطار. اللهم ثبت الملك فيه وفي عقبه إلي يوم الدين، واحفظه في بنيه وبني أبيه الملوك الميامين، واشدد عضده ببقائهم، واقض بإعزاز أوليائه وأوليائهم. اللهم كما أجريت علي يده في الإسلام هذه الحسنة التي تبقي علي الأيام، وتتخلد علي مرِّ الشهور والأعوام، فارزقه الملك الأبدي الذي لا ينفد في دار اليقين، وأجب دعاءه في قوله: {رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلي والدي، وأن أعمل صالحًا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} (الأحقاف: 15)، ثم دعا بما جرت به العادة". (المصدر: وفيات الأعيان لابن خلّكان: 4/232 - 236).





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى