logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

العلاَّمة مصطفى الزرقا.. الفقيه المجدد
2017/7/20

المستشار عبد الله العقيل

مولده ونشأته:

هو مصطفى بن أحمد بن محمد الزرقا، ولـد في مدينة حلب بسوريا 1322هـ/ 1904م، وبدأ دراسته في كتاتيب القرآن على يد الشيخ محمد الحجار، وتعلم القراءة والكتابة والحساب وتلاوة القرآن الكريم، ثم التحق بالمدرسة الابتدائية ثم الثانوية (الخسروية) الشرعـية، مـع الحرص على تـلقي الـعلم مـن والده، فقد كان يحضر دروسه وخطبـه في المسجد، وبعد امتحان البكالوريا التحق بالجامعة السوريه، حيث درس الحقوق والآداب في وقت واحد.

وفي سنة 1933م، تخرج في الكليتين بدرجة التفوق، وهو يتكلم الفرنسية جيدًا، وعمل محاميًا أمام المحاكم الوطنية والمختلطة في حلب.

شيـوخـه:

جده العالم الكبير محمد الزرقا، ووالده العالم الجليل أحمد الزرقا، والشيخ محمد الحنفي، والشيخ محمد راغب الطباخ، المؤرخ المشهور والمحدث المعروف.
حياته العملية والعلمية:

شارك أقرانه، ومنهم الدكتور معروف الدواليبي، في التصدي للاستعمار الفرنسي، وكان يخطب في المظاهرات الوطنية، والتحق بالكتلة الوطنية، وقادتها: إبراهيم هنانو، وسعد الله الجابري، وإخوانهما.

عُيِّن بجامعة دمشق أستاذًا لتدريس الحقوق المدنية والشريعة الإسلامية سنة 1944م، وكان أساس هذه الحقوق مجلة الأحكام العدلية المستمدة كليًا من الفقه الإسلامي، وقد أصدر في هذه الفترة سلسلته الفقهية في أربعة مجلدات بعنوان: (الفقه الإسلامي في ثوب جديد)، التي تعتبر من المراجع المعتمدة لدى القانونيين والشرعيين والأساتذة الجامعيين، كما أصدر السلسلة الثانية في ثلاثة مجلدات بعنوان: «شرح القانون المدني السوري»، التي حلّت محل مجلة الأحكام الملغاة بالقانون المدني عام 1949م.

شارك في الحياة النيابية، وانتخب نائبًا في البرلمان السوري عن مدينة حلب، وشكَّل مع إخوانه النواب الكتلة الإسلامية برئاسة د.مصطفى السباعي. وكذلك تولى حقيبة وزارتي الأوقاف والعدل سنة 1956م، ثم سنة 1961م.

وكان للزرقاء دوره في مشروع الموسوعة الفقهية بكلية الشريعة بدمشق مع زملائه: الدكتور الشيخ مصطفى السباعي، ود. معروف الدواليبي، والأستاذ محمد المبارك، وكان التفكير في المشروع عقب مؤتمر أسبوع الفقه الإسلامي الذي عقد في كلية الحقوق بالسوربون بباريس سنة 1951م، وصدرت عنه توصية، وشارك في الموسوعة من مصر: الشيخ الجليل محمد أبوزهرة، والشيخ الفقيه علي الخفيف، وقد تعطل عمل الموسوعة بعد الانفصال بين مصر وسوريا سنة 1961م.

وفي سنة 1966م، فكَّرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت في تبني المشروع، ووقع الاختيار على الشيخ مصطفى الزرقا ليكون خبيرًا للموسوعة الفقهية، وباشر العمل لمدة خمس سنوات، ثم توقف بعدها المشروع وغادر الزرقا الكويت إلى الأردن حيث عمل أستاذًا في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، كما عمل عضوًا بالمجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة، التابع لرابطة العالم الإسلامي.

هذا، وقد حصل أستاذنا الزرقا على جائزة الملك فيصل سنة 1404هـ للدراسات الإسلامية على كتابه (المدخل إلى نظرية الالتزام العامة في الفقه الإسلامي).

وكانت آخر أعماله: مستشارًا لشركة الراجحي المصرفية للاستثمار.

معـرفتي بـه:

عرفت أستاذنا الزرقا من خلال ما كان يقوم به من دور في البرلمان السوري، ضمن الكتلة الإسلامية بالمجلس، وبوصفه من أقطاب الحركة الإسلامية في سوريا، التي كانت تناهض التوجهات العلمانية واليسارية، وتسعى ليكون الإسلام هو الأساس في الدستور.

ثم كانت لقـاءاتي بـه في أثناء الموسم الثقافي في الكـويت، حيث تشرفت بتقديمه في المحاضرات والندوات، ومرافقتـه في الجولات والزيارات.

وحين وفقنا الله سنة 1966م للنهوض بمشروع موسوعة الفقه الإسلامي بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، كان اختيار الأستاذ الزرقا ليكون خبير الموسوعة الفقهية، يضع برنامج العمل فيها، ويختار الأعضاء العاملين من الفقهاء في إدارتها، ويرسم الخطط العملية لاستكتاب علماء الأمة الإسلامية، للإسهام في كتابة البحوث التمهيدية لموضوعاتها. وبالفعل، تمّ ذلك بفضل الله، ثم بالجهود المشكورة التي بذلها أستاذنا الفاضل، فصدرت تلك البحوث التمهيدية، وكان أولها عن الأطعمة والأشربة والحوالة وغيرها.

وبقي معنا في الوزارة أكثر من خمس سنوات، كنت فيها قريبًا منه، بحكم طبيعة العمل، فضلاً عن التزاور فيما بيننا، في منزله أو في منزلي، حيث يحضر الندوة الأسبوعية يوم الجمعة، ويشارك فيها ويجيب عن أسئلة الحضور واستفساراتهم، وحين ترك الوزارة، بعد توقف المشروع فترة من الزمن، غادرنا إلى الجامعة الأردنية بعمان، فكنت ألتقي به في منزله بعمان، مع مجموعة من تلامذته ومحبيه.

وبعد التحاقي للعمل برابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، أمينًا عامًا مساعدًا، كنت أسعد بمشاركته في جلسات المجمع الفقهي، وأستمتع بحواراته ومناقشاته مع أعضاء المجمع، وأعجب باجتهاداته للقضايا المعاصرة التي جدت في حياة الناس، وطرحه للحلول المقترحة على ضوء هدي الكتاب والسُّنَّة، وما أجمع عليه سلف الأمة والقياس على الأشباه والنظائر، والحرص على التيسير على الناس في الفتيا.

وقد استمرت الصلة به حتى بعد تقاعدي من العمل بالرابطة، فقد كنت ألتقي به في الرياض، حيث يسكن كلانا فيها، ويعمل هو مستشارًا بشركة الراجحي للاستثمار.

قالوا عنه:

يقول عنه د.يوسف القرضاوي: «عرفت العلاَّمة الشيخ مصطفى الزرقا أول ما عرفته في صورة له في مجلة (الشهاب) المصرية التي أصدرها في أواخر حياته الإمام حسن البنا (-)، وكان فيها مقال للزرقاء بعنوان: (العقل العلمي والعقل العامي)، كما كتب مقالاً في عدد آخر من أعداد المجلة عن العصبية المذهبية، وقد وجدت فيما كتبه الشيخ الزرقا حينئذ وأنا طالب في المرحلة الثانوية أفكارًا علمية، وروحًا تجديدية، مع بلاغة وبيان مشرق.

وبعد ذلك، قرأت للشيخ الزرقا بعض مقالات في مجلة (المسلمون) التي كان يصدرها الداعية المعروف د. سعيد رمضان، مثل مقاله (العبادة: جوهرها وآفاقها)، كما قرأت للفقيه الضليع الشهيد عبد القادر عودة - صاحب كتاب (التشريع الجنائي الإسلامي) - تعريفًا بكتاب الشيخ الزرقا (الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد) أثنى فيه ثناءً عاطرًا على الكتاب، مما شوقني إليه، وشدني للاطلاع عليه، وعندما أتيح لي الاطلاع عليه، وجدته جديرًا بما قال عنه الأستاذ عبد القادر عودة (رحمة الله عليهما).

وكان أول لقاء لي مع الشيخ الزرقا في مصر في عهد الوحدة مع سوريا، عرفني به الدكتور محمد البهي - المدير العام للثقافة الإسلامية بالأزهر حينئذ - وكنت أعمل معه في ذلك الوقت، وكان الشيخ الزرقا يشارك مع رفقائه الثلاثة في وضع مناهج كلية الشريعة وكلية أصول الدين في الأزهر، وأعني بهم: شيخ الدعاة الدكتور مصطفى السباعي، والمفكر المربي الأستاذ محمد المبارك، والمفكر السياسي الدكتور محمد معروف الدواليبي، وكان كتابي (الحلال والحرام في الإسلام) قد ظهر في طبعته الأولى سنة 1959م، وكنت أرسلت إليه نسخة هدية مني فقرأه وسُرَّ به، وأثنى عليه، وقال كلمته الشهيرة: «إن اقتناء هذا الكتاب واجب على كل أسرة مسلمة».

ومن ذلك الوقت من أربعين سنة والمودة بيني وبين شيخنا موصولة، وكلما ظهر لي شيء من الإنتاج العلمي، هشّ له، ورحّب به، وحثّ طلابه على قراءته، مثل «فقه الزكاة» وغيره من الكتب.

لقد كان الزرقا جبلاً من جبال العلم، وبحرًا من بحور الفقه، ولسانًا من ألسنة الصدق، وقبسًا من مشكاة النبوة، وستظل الأجيال تنتفع بعلمه الغزير وعمله الكبير».

ويقول الأستاذ عصام العطار: «ما تزال جراحاتنا تنزف لفقد الطنطاوي... واليوم نفقد أيضًا علامتنا الكبير مصطفى الزرقا تغمده الله بالرحمة والرضوان، كان الطنطاوي والزرقا أخوين وفيين، وصديقين حميمين، جمعهما على خدمة الإسلام والمسلمين عمر مديد على كل صعيد، وكان كل منهما يحمل لأخيه وصديقه أصدق المحبة والتقدير، وكانت معرفتي وعلاقتي بالأستاذ الزرقا من خلال لقاءاتنا بإخواننا: الدكتور مصطفى السباعي، والأستاذ علي الطنطاوي، والأستاذ محمد المبارك، والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، رحمهم الله جميعًا.

وكان الأستاذ الزرقا فقيهًا كبيرًا مجددًا، اجتمعت له أداة الفقه والتجديد على أفضل وجه، وكان ضليعًا في الشريعة والفقه، أخذه عن والده، ودرسه في المدرسة الخسروية في حلب، ثم درس الحقوق والآداب في دمشق، فاجتمع له في وقت واحد، المعرفة بالشريعة والقانون واللغة والأدب، وكان يعرف اللغة الفرنسية، مما مكنه من الاطلاع على المراجع القانونية الأجنبية المعتبرة، واقتبس ما رآه مناسبًا من الأساليب الحديثة في البحث الفقهي وترتيبه، ومن التعرف على بعض الأحكام الجديدة التي نظمتها التشريعات للأوضاع الحقوقية والاقتصادية الحديثة، كالشركات المساهمة، وعقود التأمين، وقد أعانه هذا كله على أن يعرض الفقه الإسلامي في ثوب قشيب وأسلوب جديد يساير ذوق العصر ولغته.

لقد كان (-) آية في صدقه ووفائه ودأبه ومثابرته وإرادته وهمته وحرصه على أداء واجبه على أفضل وجه، قبل ساعتين من وفاته كان عنده زائرون وناس يستفتونه وهو يجيبهم بكل صبر ورحابة صدر، ثم انطفأ هذا السراج المنير، وسكت هذا اللسان البليغ، وتوقف هذا القلب الكبير، ومات مصطفى أحمد الزرقا، وإنا لله وإنا إليه راجعون».

أهم مؤلفاته:

(*) الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد.
(*) شرح القانون المدني السوري.
(*) أحكام الفقه.
(*) في الحديث النبوي.
(*) الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي.
(*) الفعل الضار والضمان فيه.
(*) عقد البيع في الفقه الإسلامي.
(*) نظام التأمين والرأي الشرعي فيه.
(*) الفقه الإسلامي ومدارسه.
(*) عظمة محمد مجمع عظمات البشرية.
(*) عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.
(*) باب تمهيدي لقانون مدني إسلامي.
(*) صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.
(*) فتاوى مصطفى الزرقا.

هذا، بالإضافة إلى عدد كبير من البحوث والمقالات المنشورة في عدد من المجلات والصحف العربية والإسلامية، وهي تحتاج إلى طالب مجد من طلاب الدراسات العليا، ليقوم بجمعها، وإصدارها في كتب.

وفـاتـه:

انتقل إلى رحمة الله مساء يوم السبت 19/3/1420هـ، الموافق 3/7/1999م في بيته بمدينة الرياض عن عمر يناهز 95 (خمسة وتسعين عامًا) قضاها في رحاب العلم الشرعي، والفقه الإسلامي، والدعوة إلى الله، ودفن في مقبرة العود بالرياض، وشارك في تشييعه كبار القوم وطلبة العلم، وكنت مع بعض أبنائي في مراسم التشييع إلى المقبرة.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى