logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

الانتفاضة المباركة.. انتصارات وبشائر
2017/7/24

بيانات الكتاب:

* اسم الكتاب: الانتفاضة المباركة.. انتصارات وبشائر
* المؤلف: حسن محَمد أحمد
* تقديم: علي الحمادي (د)
* اسم السِّلسلة: كتاب القدسِ
* رقم الكتاب: 32
* مكان النشر: القاهرة
* الناشر: مركز الإعلام العربيِّ
* الطبعة: الطبعة الأولى
* سنة الإصدار: 2006م
* عدد الصفحات والقِطْع: 342 صفحةً من القِطع المتوسِّط.
* عرض: أحمد التلاوي

*.*.*.*.*

لم يكن حدث الانتفاضة الفلسطينية الثانية، التي أخذَتْ اسم "انتفاضة الأقصى"، بمثابة حدثٍ فلسطينيٍّ أو إقليميٍّ فحسب، أو كانت حدثًا سياسيًّا منفردًا؛ بل كانت حَدثًا دوليًّا فارقًا متعدِّد الأبعاد، أدى إلى العديد من التأثيرات والتداعيات إقليميًّا ودوليًّا، وذو طبيعةٍ متعدِّد الأركان، ما بين سياسيٍّ ودينيٍّ وإنسانيٍّ.

ويكفي في هذا الإطار الإشارة إلى أن وأد الانتفاضة الفلسطينية، والقضاء على حركات المقاومة التي تقف وراء تدعيمها داخل الشارع الفلسطينيِّ، كان على رأس أولويات الإدارة الأمريكية وأجندة تعاونها مع إسرائيل في مرحلة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر من العام 2001م؛ أي بعد أقلِّ من عامٍ من اندلاع الانتفاضة، كما كانت الانتفاضة من بين أهمِّ الملفات التي تأثرَتْ بالاحتلال الأمريكيِّ الغربيِّ للعراق في ربيع العام 2003م.

وانتفاضة الأقصى كانت في حقيقة الأمر مفتاحًا للعديد مِن التطوّرات والتفاعلات الفلسطينية والإقليمية والدولية، فعلى المستوى الفلسطينيِّ أدتْ الانتفاضة إلى تغيير خريطة القوى السِّياسية، وهو ما بدا في انتخابات 2006م؛ حيث اكتسحتها حركة المقاومة الإسلامية "حماس"، وتبديل السمْت العام للقضية وطبيعتها من خلال إحياء الجانب الدِّينيِّ لها، مع تعطيل مفاوضات التسوية العبثية من خلال كشف حقيقة المواقف الإسرائيلية.

كما إن الانتفاضة، وخصوصًا ما حدث من إجرامٍ إسرائيليٍّ فيها في حقِّ مخيمات اللاجئين الفلسطينيِّين، كما في جنين في أبريل 2002م، وجرائم الاغتيالات التي نفذَتها في حقِّ قيادات حماس، وعلى رأسهم الشيْخ المؤسِّس الشهيد أحمد ياسين وخليفته الشهيد الدّكتور عبد العزيز الرنتيسي، قد أدتْ إلى العديد مِن التحوّلات على مستوى الرأي العام الدوليِّ، وتغيير بنية مفاهيم الرأي العام الشعبيِّ في أوروبا عن القضية الفلسطينية، والصِّراع في الشرق الأوسط؛ بحيث لم تعد إسرائيل أمامه هي "الحمل الوديع" المحاط بـ"الذِّئاب العرب" من كلِّ جانبٍ، وأنها تفعل ما تفعله من جرائم لحماية أمنها القوميِّ.

ولقد بدا ذلك في قرار مجلس الكنائس العالميِّ بمقاطعة البضائع الإسرائيلية في العام 2001م، وكذلك في موقف الرأي العام في أوروبا وأمريكا الشمالية خلال العدوان الصّهيونيِّ على قطاع غزة في شتاء 2008/2009م، وفي مظاهر أخرى عديدةٍ.

وعلى أهمِّية حدث الانتفاضة؛ فقد خَرَجَتْ المئات مِن الكتابات والأدبيات التي تناوَلَتْ الانتفاضة من متَخلف الجوانب والزوايا، ما بين الأسباب والتداعيات الآنية والمستقبلية لها، وما بين حجم الإجرام الإسرائيليِّ خلالها لقمع إرادة الشعب الفلسطينيِّ، وكذلك قدمَتْ بعض الأدبيات رؤيةً لارتباطات الحدث بالواقع الإقليميِّ والدوليِّ، والتحوّلات التي أفرزتها على مستوى طبيعة القضية ذاتها والنظرة لها.

ومِن بين الأدبيات المهِمة التي سعت إلى تقديم قراءةٍ شاملةٍ لحدث انتفاضة الأقصى، وتجاوزت ذلك إلى إعادة إنتاج القضية الفلسطينية مفاهيميًّا، كتاب "الانتفاضة المباركة.. انتصارات وبشائر"، للكاتب والباحث الإماراتيِّ حسن محَمد أحمد، وتقديم المفكِّر الإسلاميِّ الدّكتور محَمد الحمادي، والذي صَدَرَ عن مركز الإعلام العربيِّ بالقاهرة ضمن سلسلة كتاب "القدس"، ويعيد المركز إصداره في طبعةٍ إلكترونيةٍ جديدةٍ.

ويأتي إصدار هذه الطبعة الإلكترونية الجديدة من الكتاب في وقت شديد الحساسية للقضية الفلسطينية؛ حيث أعلنتها إسرائيل صراحةً، أنه لا خروج مِن الضِّفة الغربية المحتلة، ولا خروج من القدس، ولا تراجع عن الاستيطان، وإنها "دولة يهودية" شاء من شاء وأبى من أبى بلغة السِّياسة العربية، وهو حتى ما دفع السّلطة الفلسطينية إلى وقف المفاوضات المباشرة التي لم تبدأ أبدًا، ولكن كل ذلك لم يحملها على وقف التعاون الأمنيِّ مع إسرائيل ضد المقاومة تحت مسمى "التنسيق الأمنيِّ"!!

*.*.*.*.*

الكتاب بدأ بإهداءٍ من نوعٍ جديدٍ من المؤلِّف، يمكن أنْ يطْلَقَ عليه اسم "إهداء تعريفيّ"؛ حيث أهدى كتابه إلى النائبة في المجلس التشريعيِّ الفلسطينيِّ مريم محمد يوسف فرحات أو أم نضال فرحات، المعروفة باسم "خنساء فلسطين"، والتي قدمَتْ للقضية الفلسطينية ثلاثةً من أبنائها شهداء، هم نضال ومحَمد ورواد، ورابعًا أسيرًا في سجون الاحتلال الصّهيونيِّ، وهو وسام فرحات.

ويعرِّف أحمد بخنساء فلسطين، ويقول إنها أرملة في السادسة والخمسين من عمرها، في وقت تأليف الكتاب في العام 2006م، وقال إنها قدمَتْ خلال الانتفاضة أروع الأمثلة في الفداء والتضحية، بعدما حَولَتْ منزلها في مخيم الشّجاعية في شمال قطاع غزة إلى مخبأٍ وغرفة عملياتٍ لعناصر المقاومة الفلسطينية خلال الانتفاضة، وهو ما جعلها تستحق إشادة الشيْخ أحمد ياسين وأسد فلسطين الراحل عبد العزيز الرنتيسي، وغيرهما مِن قيادات المقاومة الفلسطينية.

ويذكر المؤلِّف أن أم نضال لما لم تجد لها أبناءً تقدِّمهم للشهادة في سبيل اللهِ تعالى في فلسطين؛ بدأت في تحريض أحفادها على الجهاد والشهادة.

*.*.*.*.*

الباب الأول مِن الكتاب، وكان بعنوان "فضائل الأرض المبارَكة.. فلسطين والشام"، جاء في فصلَيْن رئيسييْن تناول فيهما المؤلِّف ما جاء حول ذكر فلسطين والمسجد الأقصى وبلاد الشام في القرآن الكريم والسّنة النبوية الشريفة، كأرضٍ مقدسةٍ باركها الله تعالى من فوق سبع سماواتٍ، وذكرها الرسول الكريم "صلى الله عليه وسَلم" في أحاديث صحيحةٍ، وما يفرضه ذلك من واجباتٍ على المسلمين في الحفاظ على هذه الأرض وحمايتها من دنسِ المحتلِّ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، باعتبار أنها ميراث للمسلمين.

الفصل الأول مِن هذا الباب "في القرآن الكريم"، تناول الإشارات القرآنية حول فلسطين والقدس وبلاد الشام عمومًا، وكيف فضلها الله تعالى وكرمها على الكثير مِن بقاع الأرض الأخرى، ومن بين ذلك ما جاء في سورة "الأعراف"، في الآية "137"؛ حيث قال الله سبحانه وتعالى: ?وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الذِينَ كَانوا يسْتَضْعَفونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا التِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمتْ كَلِمَة رَبِّكَ الْحسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَروا وَدَمرْنَا مَا كَانَ يَصْنَع فِرْعَوْن وَقَوْمه وَمَا كَانوا يَعْرِشونَ (137)?.

وفي سورة "الأنبياء" يقول الله تعالى: ?وَنَجيْنَاه وَلوطًا إِلَى الْأَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)?، ويقول أيضًا في نفس السّورة: ?وَلِسلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ التِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكنا بِكلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)?.

وفي سورة "المائدة" يخاطِب الله عز وجل بني إسرائيل بعد خروجهم مِن مِصْرَ؛ فيقول لهم: ?يَا قَوْمِ ادْخلوا الْأَرْضَ الْمقَدسَةَ التِي كَتَبَ الله لَكمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكمْ فَتَنْقَلِبوا خَاسِرِينَ (21)?، أما عن الأقصى؛ فيقول الله تعالى: ?سبْحَانَ الذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الذِي بَارَكْنَا حَوْلَه لِنرِيَه مِنْ آَيَاتِنَا إِنه هوَ السمِيع الْبَصِير (1)? [سورة الإسراء].
 
الفصل الثاني كان بعنوان "في السّنة المطهرة"، وتناول فيه المؤلِّف ذات الفكرة، ولكن في النّصوص الصحيحة التي وَرَدَتْ عن الرسول الكريم "صلى الله عليه وسَلم"، فهي الأرض المقدسة وأرض المحشر والمنشر، وهي المكان الذي تبسط فيه الملائكة أجنحتها، والمسجد الأقصى هو ثاني مسجدٍ وضِعَ للناس في الأرض، وثالث مسجدٍ تشدّ إليه الرِّحال.

وفلسطين أرض الرِّباط والمقاومة في سبيل اللهِ تعالى، وفي السّنة النبوية الشريفة الكثير من الأحاديث المطهرة الصحيحة، ومن بينها حديثٍ رواه أبو هريرة "رَضِيَ الله عَنْه": "لا تزال عصابة مِن أمتي يقاتلون على أبواب دمشق وما حولها وعلى أبواب بيت المقدس وما حوله لا يَضرّهم مَن خَذَلَهم ظاهرين على الحقِّ إلى أنْ تقومَ الساعة" [أخرجه البخاريّ وآخرون].

وعن أبي إمامة الباهليِّ "رَضِيَ الله عَنْه" أن رسولَ اللهِ "صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ" قال: "لا تزال طائفة مِن أمتي ظاهرين على الحقِّ لعدوِّهم قاهرين  لا يضرّهم مَن خالفهم حتى يأتيهم أمر اللهِ عز وجل وهم كذلك. قالوا: يا رسولَ اللهِ وأين هم؟. قال "صَلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ": ببيت المقدس وأكناف بيتِ المقدس". [رَواه أحمد في المسْنَدِ].

*.*.*.*.*

الباب الثاني كان بعنوان "الإفاضة في ثمرات الانتفاضة"، وجاء في ثلاثة فصولٍ أساسيةٍ، تناولَتْ مختلف القضايا المرتبطة بالانتفاضة على المستوى الفلسطينيِّ الإسرائيليِّ، وكذلك على المستوى الإقليميِّ والدوليِّ، وخصوصًا فيما يتعلق بالمسبِّبات والموجبات التي أدتْ إلى اندلاع الانتفاضة، أو التداعيات.

وفي الفصل الأول من هذا الباب، والذي جاء بعنوان "لماذا الانتفاضة؟" تناول فيه المؤلِّف الموجبات التي فَرَضَتْ اندلاع الانتفاضة الثانية بعيدًا عن اللحظة الزمنية المباشرة لها، والمتمثِّلة في تدنيس زعيم المعارضة الِّليكودية في ذلك الحين أرييل شارون لحرم المسجد الأقصى في حماية الشّرطة والجيش الإسرائيلييْن، ومن بينها تردي الأوضاع في فلسطين والظّلم الذي تقوم به إسرائيل في حقِّ الفلسطينيِّين، والذي من بين مظاهره بناء الجدار العازل، والموقف العربيّ والأوروبيّ السلبيّ تجاه أوضاع الفلسطينيِّين، كذلك هبوط سقف التفاوض الفلسطينيِّ مع إسرائيل، بالإضافة إلى حماية المسجد الأقصى.

ويقول المؤلِّف حسن محَمد أحمد في مستهلِّ هذا الفصل: "إن عدم وجود آفاقٍ لحلٍّ سياسيٍّ عربيٍّ وإسلاميٍّ ودوليٍّ أنشأ حالة تمرّدٍ لدى الشعب الفلسطينيِّ، فكانت الانتفاضة مبادرةً شعبيةً بقيادة الحركة الإسلامية المتمثِّلة في حماس والجهاد وفصيل كتائب صلاح الدِّين وبقية أجنحة الشجاعة في الأرض المباركة، وردًّا على إخفاق المفاوضات السِّياسية ووصولها إلى طريقٍ مسدودٍ في كامب ديفيد عام 2000، ورفضًا لمحاولات حكومة (رئيس الوزراء الإسرائيليِّ في ذلك الحين أيهود) باراك إملاء شروطها السِّياسية، والساعية لتقزيم ثوابت القضية الفلسطينية".

وفي تناوله لأسباب الانتفاضة أيضًا، يولي المؤلِّف أهمِّيةً خاصةً لمسألة الدِّفاع عن المسجد الأقصى، وكذلك لمسألة تدهور الأوضاع في فلسطين، وخصوصًا على مستوى حقوق الإنسان، مشيرًا بوجهٍ خاصٍّ في هذا الجانب إلى مسألة بناء جدار العزل العنصريِّ.

وفي هذا يؤكِّد المؤلِّف أن فكرة بناء الجدار موضوعة على أجندة المشروع الصّهيونيِّ منذ بواكير أيامه، وضرب على ذلك مثلاً بما ورد في كتابٍ بعنوان "جدار الفولاذ" صدر في العام 1932م، ووضعه زئيف جابوتنسكي، مؤسِّس تيار اليمين المتشدِّد في إسرائيل، وقال فيه: "لا مجال لأنْ يكون هناك مصالحة إرادية بيننا وبين العرب، لا الآن ولا في المستقبل. إن لدى كلِّ فردٍ من العرب فهمًا شاملاً وكاملاً لتاريخ الاستعمار، وليحاول أحد أنْ يجد بلدًا واحدًا تحقق فيه الاستعمار بموافقه سكانه الأصليِّين".

ويواصل المؤلِّف مع ما كتبه جابوتنسكي؛ فينقل عنه: "لذلك النتيجة المنطقية لذلك هي أنه لا يمكن تصوّر أيِّ اتِّفاقٍ طوعيٍّ بيننا. إن على كلِّ عملية استعمار أنْ تستمر، ولا يمكنها أنْ تستمر وتنمو إلا بحماية سورٍ مِن القوة، أي جدارٍ فولاذيٍّّ لا يستكيع هؤلاء السّكان اختراقه"!.

ومن بين الأسباب التي ركزَ عليها المؤلِّف في هذا المقام، هو أن الانتفاضة الثانية اندلعت متشجِّعَةً في ذلك بالصحوة الإسلامية التي بدأت قبل عقودٍ، وعودة الاعتبار لمفهوم الجهاد كفريضةٍ غائبةٍ في الإسلام.

الفصل الثاني بعنوان "الانتفاضة والكيان الصّهيونيّ (رقصة الموت)"، كما تناول هذا الباب، في فصله الثاني، عددًا مِن النتائج الخاصة بالانتفاضة على إسرائيل، على مختلف المستويات؛ السِّياسية والأمنية والعسكرية، ولعل أهمّ ما طرحه المؤلِّف في هذا المقام، وأكدَتْ عليه دراسات أخرى مماثلة، ومِن بينها دراسات إسرائيلية، هو العامل المعنويِّ؛ حيث أدتْ الانتفاضة إلى شرخٍ في الجبهة الداخلية للكيان الصّهيونيِّ، وضعضعت مِن الثِّقة في الجيش الإسرائيليِّ الذي شهد الكثير مِن حالات الفرار من الخدمة أو إصابة جنوده بالأمراض النفسية، كما تزايدت حالات إدمان المخدرات في صفوف الجيش الإسرائيليِّ.

ومن خلال بعض الأرقام التي ظَهَرَتْ في السنوات الأخيرة، في 2009م، و2010م، حول حقيقة تأثيرات الانتفاضة الثانية على المجتمع الإسرائيليِّ، وخصوصًا في سنواتها الأهم، من العام 2000م، وحتى العام 2003م، ومِن بينها:

- فرار حوالي 700 ألف إسرائيليٍّ من إسرائيل، وخصوصًا بعد عودة العمليات الاستشهادية، في المقابل شَهِدَتْ معدلات الهِجرة إلى إسرائيل انخفاضًا بنسبة 59%؛ حيث بلغ العدد الفعليّ للذين هاجروا إلى إسرائيل منذ أواخر العام 2001م، وحتي النِّصف الأول مِن العام 2003م حوالي 9400 شخصٍ فقط، ومِن بين هؤلاء المهاجرين ستة آلاف شخصٍ جاءوا مِن جمهوريات الاتِّحاد السّوفيتيِّ السابق، ومن غير حملة مؤهِّلاتٍ علميةٍ جيِّدةٍ، أو رءوس أموالٍ تعوِّض ما فقدته إسرائيل بسبب الانتفاضة.

- فرار رجال الأعمال الإسرائيليِّين بأموالهم للاستثمار في الخارج، وخصوصًا ممن جاءوا للاستثمار في إسرائيل خلال عهدَيْ رئاسة شيمون بيريز وأيهود باراك للحكومة.

- إغلاق نحو 184 مصنعًا للوسائط التِّكنولوجية، وتوقّف 314 مؤسسةً اقتصاديةً وسيطةً عَن النشاط الاقتصاديِّ، آثر أصحابها أنْ ينقلوا نشاطهم إلى أمريكا الشمالية وأوروبا، كما أن نحو 2210 من رجال الأعمال، ممن يزيد حجم أعمالهم على المليون إلى عشرين مليون دولار أغلقوا مجال أنشطتهم الاقتصادية بسبب الخسائر المتزايدة التي عانوا منها في أعوام الانتفاضة الثلاثة الأولى.

كما بدأت العديد مِن المشكلات الاجتماعية في الوضوح أكثر داخل المجتمع الإسرائيلي، ومن بينها انخفاض أعداد سكان إسرائيل الأصليِّين إذا قورنوا بأعداد اليهود المهجرين مِن الخارج، بنسبة 12.5% سنويًّا، والفئة الأخيرة تحمل طابع العداء والكراهية والعنف والقتال، ولكن ليس ضد العرب أو الفلسطينيِّين؛ ولكن لبعضها البعض.

فاليهود الرّوس يكرهون ويحملون شعورًا بغيضًا يصل إلى القتل تجاه اليهود الأوروبيِّين الذين يبادلونهم نفس المشاعر، واليهود الأفارقة قرروا القيام بأعمال سرقة ومنظمةٍ لليهود الأوروبيِّين الذين هم أحسن حظًّا من اليهود الروس على المستوى الاقتصاديِّ والاجتماعيِّ، في حين أن اليهود من أصلٍ أمريكيٍّ يكرهون اليهود من كل جنسيات الأخرى؛ حيث ترغب هذه الفئة في الانفراد بعملية صناعة القرار الإسرائيليِّ.

وقد أدتْ هذه الوضعية إلى تفشِّي ظاهرتَيْن في غاية الخطورة بالنِّسبة لإسرائيل، الأولى زيادة معدلات الجريمة في داخل المجتمع الإسرائيلي بأكثر من 44% عما كان عليه الوضع في نهاية عقد التِّسعينيات، وخصوصًا جرائم قتل المستوطنين اليهود لبعضهم البعض، أما الثانية فهي وضوح عدم الولاء لإسرائيل لدى اليهود الوافدين الذين احتفظوا بولائِهم للدِّول التي أتوا منها، وهذا يفسِّر أحد الأسباب الرئيسية لتعاون عددٍ كبيرٍ مِن الجنود والضّباط الإسرائيليِّين اليهود مع الفلسطينيِّين، واستعدادهم لبيع أسلحةٍ إسرائيليةٍ متطوِّرةٍ إلى المقاومة الفلسطينية وحزب الله في لبنان في مقابل أموالٍ، وتحقيق مكاسب شخصية لهم على حساب دولة إسرائيل ومصلحتها العامة.

يضاف إلى ذلك انتشار ظاهرة سياسات الفصل العنصريِّ بين اليهود وبعضهم؛ بين سكان إسرائيل الأصليِّين ومن عداهم مِن اليهود القادمين من الخارج، والسبب في ذلك أن المستوطنات التي تبنى لاستيعاب المهاجرين الجدد أصبحتْ منفصلةً عن بعضها البعض، فكل مجموعةٍ من اليهود من أصولٍ معينةٍ، أوروبيين أو روس أو أفارقة، وهكذا، تركزَتْ تتركز في مستوطنةٍ بعينها، أو في مدنٍ وقرىً إسرائيليةٍ بعينها، وينظرون لبعضهم البعض نظرةَ عداءٍ وشكٍّ.. قال تعالى: ?بَأْسهمْ بَيْنَهمْ شَدِيد تَحْسَبهمْ جَمِيعًا وَقلوبهمْ شَتى? [سورة الحشر- من الآية 14].

وفي الفصل الثالث من هذا الباب، والذي كان بعنوان "ثمرات الانتفاضة"، استعرضَ المؤلِّف بعض من معالم نتائج الانتفاضة على المستوى الأوسع من الكيان الصّهيونيِّ، وهو المستوى الإقليميّ والدوليّ، وكذلك المستوى المتعلِّق بالأمة العربية والإسلامية، ومِن بين أهمِّ ما أشار إليه المؤلِّف في هذا المقام، هو أن الانتفاضة كَشَفَتْ مواقف العديدين في العالم العربيِّ والإسلاميِّ فيما يتعلق بحقيقة نواياهم وسياساتهم التي تتماهى في الكثير من جوانبها مع سياسات ومتطلبات المواقف الأمريكية والإسرائيلية.

وفي هذا يقول المؤلِّف إن الطابع الشعبيِّ للانتفاضة شديد الأهمِّية في مدركاتنا عن الانتفاضة التي أكد أنها خرجت عن كونها حلقة في الصِّراع الإسلاميِّ ضد الكافرين "لتكون مَعْلَمًا فاصِلاً للصِّراع بين الحقِّ والباطل الذي يمتدّ إلى يومِ القيامة، فهذا صراع وجودٍ وحدودٍ مصداقًا لقوله تعالى ?وَإِذْ تَأَذنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَن عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسومهمْ سوءَ الْعَذَابِ إِن رَبكَ لَسَرِيع الْعِقَابِ وَإِنه لَغَفور رَحِيم?" [سورة الأعراف- الآية 167].

ولعل العناوين الرئيسية التي قرأ المؤلِّف من خلالها تداعيات وتأثيرات الانتفاضة، توضِّح أن التأثير الأهم لها هو البعد الإسلاميِّ للقضية الذي أحيته، ومن بين أركان ذلك إعادة القيمة لمفاهيم الجهاد والاستشهاد، وكذلك إحياء الرّوح الإسلامية داخل الأمة، وإعادة التذكير ببعض النواحي التاريخية المتعلِّقة بالهوية الإسلامية للقضية، وذابت في العقود الماضية في طيِّ النِّسيان.

وأكد على أن الانتفاضة أيضًا أحيت أدوار العلماء والنِّساء في الجانب الخاص بالجهاد، وعرض لبعض الحالات التي شاركت فيها فتيات ونساء فلسطين في الجهاد بدءًا بالجانب التربويِّ، ووصولاً إلى الجهاد في الميدان من خلال مساعدة المجاهدين وحتى المشاركة في العمليات الاستشهادية.

وينتقد المؤلِّف في المقابل، وبوضوحٍ، مواقف بعض الحكومات والأطراف السِّياسية في العالم العربيِّ والإسلاميِّ التي تخلتْ عن الفلسطينيِّين خلال الانتفاضة ومالت إلى تأييد مواقف إسرائيل والولايات المتحدة وما طلبته من الحكومات العربية والإسلامية، ومن بين ذلك حصار المقاومة، ومنع وصول المال والسِّلاح لها، وضرب عناصر المقاومة وقياداتها، تحت مسمى التنسيق الأمنيِّ بين السّلطة الفلسطينية وبين إسرائيل، واصفًا من يقوم بذلك مِن الحكومات العربية بأنهم "أذناب إسرائيل وأمريكا".

*.*.*.*.*

الباب الثالث من الكتاب كان بعنوان "التحالف الأمريكيّ الصّهيونيّ وأثر الهزيمة العراقية على القضية الفلسطينية"، وهو مِن بين أهمِّ أبواب وموضوعات الكتاب، فكما خرج المؤلِّف بالقضية من أبعادها السِّياسية الضِّيقة إلى آفاقها الدِّينية الأرحب؛ خرج بها من إطارها الإقليميِّ إلى إطارها الدوليِّ؛ حيث تناول، في فصلَيْن أساسييْن، حقيقة التحالف الذي يجمع ما بين الولايات المتحدة وإسرائيل على مختلف المستويات، وخصوصًا في جوانبه الدِّينية والسِّياسية.

كما تناول فيه بشيءٍ من التفصيل والتوسّع تداعيات الغزو الأمريكيِّ للعراق في ربيع العام 2003م، وتداعياته على القضية الفلسطينية في الوقت الحالي ومستقبلاً، ومن بينها استفراد إسرائيل بالقضية الفلسطينية، وكذلك حَذْف العراق القوميِّ مِن عوامل قوة الأمة، وتقليص مستوى الممانعة العربية والإسلامية للسِّياسات الأمريكية.

وفي هذا الإطار؛ تناول الفصل الأول من هذا الباب، والذي كان بعنوان "العلاقة بين أمريكا والكيان الصّهيونيِّ"، دقائق العلاقة القائمة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، والأبعاد الاستراتيجية لها، وخصوصًا على مستوى الرابطة السِّياسية والدِّينية ما بين الطرفَيْن، وكذلك في الإطار المصلحيِّ الذي يجمع ما بين الطرفَيْن في الشرق الأوسط، وعلى مستوى العالم العربيِّ والإسلاميِّ بشكلٍ عامٍّ.

ويشرح الكتاب في هذا الجانب كيف أن اليهود بعد تحريفهم لكتاب اللهِ وعقيدتهم؛ استطاعوا أنْ يقوموا بما وصفه بـ"تهويد" المسيحية، وقدموا للغرب الكثير مِن الخدمات على مستوى الصِّراع العقيديِّ القائم بين الشرق المسلم والغرب المسيحيِّ اليهوديِّ، ومن أبرز ما قدموه في هذا المقام هو المساعدة في تآكل دولة الخلافة العثمانية حتى انتهت، وانتهت معها جدران الحماية الرئيسية التي كانت تمنع عن الأمة ريح الاستعمار الخبيثة.

ويضيف المؤلِّف أن الجانب الدِّيني في الرابطة القائمة ما بين إسرائيل والولايات المتحدة يفسِّر الكثير من الأمور فيما يتعلق بالعلاقة ما بين الطرفَيْن، وحجم الدعم الأمريكيِّ الموجه إلى الكيان الصّهيونيِّ الذي يردّ على ذلك بصيانة المصالح الأمريكية في المنطقة، وخصوصًا فيما يتعلق بضرب الحركات الإسلامية وحماية مصالح أمريكا السِّياسية والنِّفطية.

كما يعرض المؤلِّف في هذا الفصل بعض معالم الدعم العسكريِّ الذي تقدِّمه إسرائيل للولايات المتحدة، ومن بين ذلك استضافة بعض مخازن السلاح الأمريكيِّ على أراضيها، ومن بين ذلك ذخائر وطائراتٍ حربيةٍ.

الفصل الثاني كان بعنوان "آثار السقوط العراقيِّ على القضية الفلسطينية مستقبلاً"، وتناول فيه المؤلِّف بعض نتائج سقوط العراق في قبضة الولايات المتحدة، ومن بين ذلك:

1. إضعاف الممانعة الخليجية للسياسات الأمريكية.
2. استكمال منظومة انهيار النِّظام الإقليميِّ العربيِّ، بعد تكبيل مصر باتِّفاقيات السلام، وحصار سوريا.
3. تدعيم ترتيبات الحرب على الإسلام والعالم الإسلاميِّ بعد أحداث سبتمبر.
4. انفراد الولايات المتحدة وإسرائيل بالقضية الفلسطينية.
5. تدعيم موقف القوى العلمانية في العالم العربيِّ والإسلاميِّ.
6. دعم فكرة التسوية والاعتراف بإسرائيل كحلٍّ للصِّراع.
7. تأمين الموارد المائية والنِّفطية لإسرائيل مِن العراق، بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين.

ويقول المؤلِّف في هذا السِّياق إن من بين مظاهر هذه الهزيمة، مطالب الولايات المتحدة بتعديل المناهج الدِّراسية و"إخفاء" ما بها من نصوصٍ قرآنيةٍ تفضح اليهود وتكشف حقيقة مواقفهم، وحصار الحركة الإسلامية في فلسطين وغيرها مِن بلدان العالم العربيَِّ والإسلاميِّ، كذلك السيطرة على مقدرات وثروات الأمة، وخصوصًا في العراق وفي الخليج العربيِّ.
*.*.*
أما الباب الرابع من الكتاب، والذي جاء بعنوان "الدليل العمليّ لنصرة الأرض المباركة"، فقد تناول فيه المؤلِّف، في فصلَيْن أساسييْن، واجبات الفرد والأسرة والمجتمع ومؤسساته في مجال نصرة القضية الفلسطينية، على مختلف المستويات، سياسيًّا واقتصاديًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا، ومِن بين ذلك العمل على استمرار إحياء القضية في نفوس الأجيال الجديدة، ومقاطعة الأعداء سياسيًّا واقتصاديًّا، والأهم، فيما ذكره، هو تدعيم مستوى الإيمانيات داخل المجتمع المسلم.

وفي الفصل الأول لهذا الباب "واجبات الفرد والأسرة المسلمة"، قال المؤلِّف إنه على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ القيام بواجبه في إصلاح النفس وتدعيم القيم التي هي القضية الفلسطينية بحاجةٍ إليها، مثل غرس فكرة الجهاد في نفوس الأجيال الجديدة، والتعريف بالقضية.

هذا على المستوى التربويِّ والفكريِّ، أما على المستوى الماليِّ؛ فإنه من بين صور الدعم، كفالة أسر الشّهداء والطلبة والعلماء، والتبرّع لأجل فلسطين ودعم المقاومين هناك بمختلف صور الدعم.

وفي هذا يؤكِّد المؤلِّف على وجوب قيام المربِّين والطلبة بأدوارهم التنويرية في التعريف بقضية فلسطين وقضية القدس والأقصى، وكذلك دفع الشباب إلى العمل من أجل فلسطين كلّ في مكانه وموضعه.

أما في الفصل الثاني، "واجبات مؤسسات المجتمع"، فقد تناول المؤلِّف فيه كيف يمكن لمختلف فئات المجتمع المسلم ومؤسساته دعم فلسطين، بما في ذلك الأطباء والتّجار والإعلاميِّين والمثقفين، ولعل أبرز هذه الأدوار، كما في حالة الفرد والأسرة؛ هي تلك المتعلِّقة بمسألة التوعية والتعريف بواقع القضية مآلاتها وواجبات المسلمين في كلِّ مكانٍ تجاه الأقصى وفلسطين، كذلك دعا إلى المقاطعة الاقتصادية والثقافية الشاملة، وتدعيم فكرة البديل الوطنيِّ والإسلاميِّ في مختلف المجالات، السِّلع والمواد الثقافية وغير ذلك.
.............
وفي الخاتمة التي وضع لها المؤلف عنوان "حقائق.. نعم النصر قريب.. ولكن"، عرض المؤلِّف العديدَ مِن الملاحظات التي يجب على المقاومة الفلسطينية استيعابها في المرحلة الراهنة، ومِن بينها حسابات الفرص المتاحة والمخاطر القائمة، وأهمِّية التأكيد على أن القضية إنما هي قضية أمةٍ بأسرها؛ وليست قضية الشعب الفلسطينيِّ فحسب.

ويقول في هذا إن مِن بين أهمِّ الواجبات الملقاة على عاتق المقاومة في هذه المرحلة، هي رصد إنجازاتها وإخفاقاتها بشكلٍ حياديٍّ، ودراسة أسباب وسنَنِ الهزيمة والنصر، وكذلك محاولة معالجة أسباب الضعف الداخليِّ، والتي تعترض سبيل مَسيرة الصحوة الإسلامية الشاملة، وخصوصًا فيما يتعلق بمسألة محاولة تغيير واقع الأنظمة العربية القائمة التي تتوائم في سِياساتها وأجندتها مع سياسات ومواقف الولايات المتحدة وإسرائيل.

وفي نهاية كتابه، أرفق المؤلِّف ملحَقًا تناول فيه السبق الذي حققته حركة حماس وجناحها العسكريِّ، كتائب الشهيد عز الدِّين القسام خلال الأعوام التي تلت الإعلان عن الحركة، ودخولها مجال العمل النِّضاليِّ، وخصوصًا في مجال نوعيات العمليات التي تنفِّذها أو نوعية السلاح المستخدم، وغير ذلك، كما أرفق شكلاً توضيحيًّا يقدِّم حقائق حول صيرورات المشروع الصّهيونيِّ ومآلاته، في محاولةٍ للفتِ الأنظار إلى طبيعة ما يحاك حول هذه الأمة مِن مؤامراتٍ لعلها تنتبه.
............
وفي الأخير؛ فإن الكتاب عبارة عن محاولةٍ لتقديم قراءةٍ شاملةٍ عن الانتفاضة الفلسطينية، خرجَتْ مِن اللحظة الزمنية الضيِّقة لها إلى آفاقٍ أرحب وأوسع وضعت القضية الفلسطينية والصِّراع مع إسرائيل واليهود ومَن والاهم في عالمنا العربيِّ والإسلاميِّ وفي الغرب، في إطارها أو نصابها الصحيح.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى