logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

اليهود في القرآن.. ماضيهم ومستقبلهم (1)
2017/8/12

الشيخ خيري مكاوي(*)

خلق الله السماوات والأرض بالحق، ما خلقهما باطلاً، وقد امتدح أولي الألباب الذين وعوا هذه الحقيقة: "الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلي جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار?" (آل عمران:191).

وشاء الله تعالي أن يكون للأرض عمارة علي مقتضي حكمته تعالي وإرادته، فوكل عمارتها إلي آدم - عليه السلام - وذريته من بعده، وأعانهم علي ذلك بما أنزل عليهم من الهدايات والبصائر التي جاء بها من أرسلهم من الرسل والأنبياء، وما أنزل عليهم من الكتب يتلونها علي أممهم رسولاً بعد رسول مبدوءة بالتوراة، مختومة بالقرآن العظيم، إضافة إلي ما أنزل من الصحف من قبل علي إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

وقد حظيت أمة إسرائيل بتكرمات وعطايا، أوردها القرآن الكريم في معرض الامتنان عليهم، نطالع ذلك في أول الكتاب الكريم في سورة البقرة عقب الحديث عن آدم واستخلافه في الأرض.

وقد اتسع الحديث عن بني إسرائيل في سورة البقرة، وفي كثير من سور القرآن، واستمع إلي ذلك كله اليهود في المدينة ليعرفوا منه أن هذا الرسول محمدًا صلي الله عليه وسلم - نبي حق إذ يخبرهم بما يعرفون ولا ينكرون منه شيئا، فكان ذلك سببًا في إيمان بعضهم ممن تجرد عن العناد والمكابرة.

تحدث القرآن عن النعم التي وافتهم، بدءاً من تخليصهم من جبروت فرعون، واستعباده لهم، وجوازهم البحر، وبإرسال موسي، وما أغدقه الله عليهم من صنوف الحياة طعامًا وشرابًا وسكنًا، وما جعل فيهم من النبوة والملك ورغد الحياة.

كما قص القرآن ما يعرفون كذلك مما توارثوه عن الآباء والأجداد، وما قرأوه في كتبهم مما حدث من أسلافهم من نقض ميثاق الله، وتكذيبهم أنبياءهم، وقتلهم الصالحين والأنبياء بغير حق، وضلالهم في معاملة غيرهم من بني الإنسان واستحلالهم من غيرهم الأموال والأعراض والأنفس {قالوا ليس علينا في الأميين سبيل}.

كما حكي عنهم رفضهم الحق، وقتلهم من أمر بالقسط من العلماء والحكماء والفقهاء، ورفضهم المعروف، وتشجيعهم المنكر، وقد درس اليهود في عهد محمد - صلي الله عليه وسلم - سيرة أسلافهم، فاتبعوها ووافقت هواهم، واعتبروها طريقًا تبنوه وارتضوه بما حفل من مظاهر الشرك واتخاذ الأرباب والتشريع المخالف لشرائع الحق المنزلة من السماء، وخاطبهم القرآن في ذلك أن يفيئوا إلي الرشد، وأن يسلكوا طريقًا جديدًا غير طريق أسلافهم الذين ضلوا وأضلوا، فناداهم بقوله تعالي: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة:77).

وأبان لهم صورًا مما حدث مما علموه ليكون ذلك زجرًا وتذكيرًا لهم، قال تعالي: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل علي لسان داود وعيسي ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون تري كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون} (المائدة:78-81).

لقد كان لليهود سجلهم الحافل عبر الزمن.. سجل حركتهم مع الأمم والشعوب حولهم عبر سير ملوكهم وأنبيائهم، وقد كان لهم مواقف مع الأمم ومواقف فيما بينهم، حارب بعضهم بعضًا فقتلوا وسبوا فقتل بعضهم بعضًا، وأخرجوهم من ديارهم، وأسروا منهم، وقبلوا الفدية من أبناء عقيدتهم.

حكي عنهم القرآن صفحة من هذا التاريخ {وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقًا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أساري تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلي أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة: 84-85).

ثم يأتي وصفهم بصفة ثابتة لازمة عبر عنها القرآن إخبارًا بالجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والدوام، فقال تعالي: {أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون} (البقرة:86) لقد وصل بهم انحرفات الطبع إشارة والغلظة وقسوة القلوب التي فاقت إلي قسوة الحجارة كما عبر القرآن {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة} (البقرة:74).

فهي قلوب صلدت، فأصبحت لا تنفجر عن خير وعطاء، ولا حتي تتشقق عما يروي عطش المحتاجين لري الحياة، والعيش من أمن أو بر أو أمان، ولا هي قلوب تستشعر وجود الله وعظمته وهيمنته علي الكون وعلمه بما فيه، فأصبحت لا تهبط من خشية الله. وكيف ذلك، وأني يكون? والله في قلوبهم فقير، وهم أغنياء، والله تصارع مع يعقوب، فصرعه يعقوب، وضربه، فصار أعرج، وأنه بخيل يده مغلولة {غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء} (المائدة:64).

هذه بعض صفاتهم وغيرها كثير، ومما يؤسف أنها صفات يرتضونها ويعظمونها، ويتعبدون بها، ويترنمون، وينشئون عليها الصغير، ويشب عليها الكبير، وحق عليهم أنهم يسعون في الأرض فسادًا، فقد قال الله ذلك في شأنهم - فإنهم لما تربوا عليه من سيرة الأجداد، ورضاهم بها علي عوجها وضلالها، صارت لهم صبغة غذيت بها نفوسهم، فحركت بها جوارحهم - {بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلاً} (النساء:155).

أجل صارت سيرة أجدادهم طبيعة لهم وجبلة وناموسًا وسبيل حياة، فقال القرآن في هؤلاء الأخلاف الذين عاصروا القرآن {وليزيدن كثيرًا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانًا وكفرًا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلي يوم القيامة كلما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادًا والله لا يحب المفسدين}(المائدة:64).

--------------------------------
(*) من علماء الأزهر الشريف





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى