logo
 بحـث    
 
 
اقرأ أيضا   
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

الأقصى.. بوصلة الأمة
2017/9/4

الشيخ علي بن عمر بادحدح

عناصر الخطبة:

* مخططات لتغيير الوضع في المسجد الأقصى.
* ارتباط الأمة بالمسجد الأقصى ارتباط أزلي.
* مسيرات البيارق والمعتكفون للدفاع عن الأقصى.
* لا يأس ولا إحباط في نفوس الأمة.


الخطبة الأولى:

أيها الإخوة المؤمنون..

وصية الله سبحانه وتعالى لكم في كتابه المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (آل عمران: 102).

معاشر المسلمين..

ما زلنا في شهر الحج واليوم نربط به كونه موصولاً بأبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام، وبخاتم الأنبياء سيدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، فقد كان إبراهيم في المواقف المشهودة المعروفة المثبتة في الآيات أول من دعا إلى حج البيت بعد إقامته ورفع بنائه، ورسولنا صلى الله عليه وسلم جاء على ملة إبراهيم وسنّ وشرع لنا كل تلك المناسك، ولست هنا بصدد ذلك لكنني أنتقل بكم إلى صلة أخرى شبيهة ووطيدة وواسعة وعظيمة ينتظم فيها الأنبياء، وترتبط فيها البقاع المقدسة التي اصطفاها واختارها الله سبحانه وتعالى، لأننا اليوم نحتاج إلى البوصلة التي إذا استقرت حددت الاتجاه وكانت سبباً في الاطمئنان والاستقرار، وإذا اضطربت تحيّر الناس في الاتجاهات شرقاً وغرباً واضطربت أحوالهم خلافاً ونزاعاً.

مخططات لتغيير الوضع في المسجد الأقصى:

انتقل بكم إلى مقولة ذكرت قبل يومين فحسب، وإلى أحداث ما تزال تضطرب إلى وقتنا هذا ووقفتنا هذه، ولا أريد أن تذهب أذهانكم إلى ساحات كثيرة فيها ما فيها من الأحداث الأليمة، لا في الشام أو في مصر أو في اليمن أو في العراق أو في غيرها، كلا، البوصلة في موطن آخر، أبدأ فيه بهذه الكلمات ما يحدث جزءٌ من مخططٍ كبيرٍ لتغيير الوضع القائم بالمسجد الأقصى، بحيث يُسمح لليهود بأداء شعائرهم الدينية داخل المسجد الأقصى، والموضوع يُدرس على أعلى المستويات، عند المرجعيات الدينية والحاخامية الكبرى، وعلى مستوى الحكومة وليس على مستوى العصابات اليمينية المتطرفة، وإذا كان قرار الحاخامية الكبرى والحكومية بعد ذلك سندخل مرحلة جديدة لا نرى فيها المئات من هؤلاء بل الآلاف وعشرات الآلاف وعلينا أن نمنع ذلك من خلال التحرك والوقوف في وجه محاولات اقتحام المسجد الأقصى، ويجب أن يكون هناك وقفة إسلامية عربية لدعم حماية الأقصى.

أزعم أن البوصلة هناك وأن أمتنا لو توجهت بوصلتها باتجاه بيت المقدس لالتأمت جراحها الدامية، وتراصت صفوفها المتفرقة، وتعاظمت قوتها المتناحرة، ولست أزعم ذلك من عندي ولكنني أنقلكم إلى صفحة واحدة في ومضة سريعة من التاريخ، يوم كانت بعض أحوال أمتنا ليست بعيدة عن حالنا اليوم، وجاء يوم في التاريخ مشهود، كان في يوم الجمعة السابعة والعشرين من شهر رجب عام ثلاثة وثمانين وخمسمئة للهجرة، يوم دخل صلاح الدين الأيوبي إلى بيت المقدس فاتحاً ومطهراً وعائداً به إلى حظيرة الإسلام والمسلمين بعد نحو أكثر من تسعين عاماً من احتلال الصليبيين المتعصبين له، ولماذا أقول إن هذا شاهد بوصلة؟ لأن الأمة كانت كذلك مفرقة، ولأنها كانت عن دينها مبتعدة، ولأن كثيراً من المنكرات فيها كانت معلنة، ولم يأت هذا الموقف ولا تلك المعركة ولا ذلك التحرير إلا بعد معركة ومعارك سابقة غيّرت وأبطلت الانحراف العقدي وأنهى صلاح الدين دولة الرفض الفاطمية في مصر بعد أن كانت تحكم مئتين واثنين وستين عاماً، وأبطل الخمارات وحارب المنكرات وفتح المدارس وعمّر المساجد ثم جمع الأمة فانضوت تحت رايته الشام ومصر وتهامة والحجاز واليمن فآن للأمة حينئذ أو حينذاك أن يفتح الله عليها وأن يعزها عندما توجهت كل قواها وعندما كانت رؤيتها مرتبطة بالبوصلة والاتجاه فسارت نحو المسار الصحيح، ولماذا هو المسار الصحيح؟ مرة أخرى ليس لأن صلاح الدين فعل ذلك، ولا لأن الفاروق رحمه الله ورضي الله عنه فتح بيت المقدس بل لأننا معاشر المسلمين إلى آلاف ومئات الآلاف والسنين سنظل مرتبطين بهذه البوصلة لأن فيها ولها وبها وعنها آيات تتلى وأحاديث تروى لا ينسخها الزمان، ولا تطويها الأحداث: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا} (الإسراء: 1)، الآيات تجمع الرسل والأنبياء وتبيّن ارتباطهم بتلك الأرض المقدسة: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء: 71)، وموسى عليه السلام: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ} (المائدة: 21)، والربط العظيم بين البقاع المقدسة ومواطن الرسالات والأنبياء، {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} (التين: 1): في أرض فلسطين، {وَطُورِ سِينِينَ} (التين: 2): في أرض مصر ونزول الوحي على موسى عليه السلام، {وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ} (التين: 3): مكة المكرمة قدّسها الله وحماها وشرّفها، والربط واضح في تلك الرحلة العظيمة بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم عندما عُرِج به إلى السماء فبلغ إلى موطنٍ لم يبلغه ملك مقربٌ ولا نبي مرسل، لكنه لم يُعرج به من بيت الله الحرام، بل كان أولاً إسراءٌ إلى بيت المقدس، لدلالات عظيمة يضيق المقام هنا عن حصرها.

ارتباط الأمة بالمسجد الأقصى ارتباط أزلي:

وأنتقل بكم إلى مزيد ومزيد، لأننا نحتاج إلى تصحيح البوصلة، اليوم تأخذنا الأحداث يميناً ويساراً فنكاد ننسى ولا أدعو أن ننسى أحداثنا ولا أن نعالج مشكلاتنا ولا أن نقوم بواجباتنا ولا أن نصحح أوضاعنا غير أننا ينبغي ألّا نفقد بوصلتنا ونضيّع اتجاهنا، عن ميمونة بنت سعدٍ رضي الله عنها مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفتنا يا رسول الله في بيت المقدس. فقال عليه الصلاة والسلام: "أرض المحشر والمنشر ائتوه فصلوا فيه"، فقال رجل: يا رسول الله أرأيت إن حيل بيننا وبينه؟ قال: "ولو أن ترسلوا له زيتاً فتوقدوا في قناديله"، لئلا تنقطع الصلة، لئلا يكون هناك حدثٌ وأحداثٌ تمنع دون أن يكون هذا البيت - بيت المقدس - في لُبّ الحدث وفي جوهره، وهو مرتبط بنا في أول إسلامنا منذ مسرى رسولنا وإلى قيام الساعة يوم الحشر والنشر، وكما ورد في حديث أبي أمامة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك"، والحديث ذكر أهل العلم أنه يبلغ مرتبة التواتر، والزيادة التي فيه عند الإمام أحمد: قيل أين هم يا رسول الله؟ قيل: في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، قال ابن حجر: "المراد أنهم يكونون فيه عند نزول الدجال حيث ينزل عيسى فيكونون معه فيقتل الدجال"، إلى آخر الزمان، الربط حاصل والبوصلة مرتبطة، والبقاع المقدسة وجهة واحدة ونبوات ورسالة واحدة: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ} (آل عمران: 19)، "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود حتى يقول الحجر: يا مسلم، يا عبدالله ورائي يهوديٌ فاقتله"، التاريخ يشدنا ويربطنا ولا ينسينا مع عظمة ما أكرم الله سبحانه وتعالى به بلادنا بالحرم المكي في بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ومسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والحرم النبوي فإن بيت المقدس منظومة تتمم مقدساتنا وارتباطنا بإسلامنا وديننا، فهذا رسول الله أسري به ويوم غزوة تبوك وهي من آخر غزواته عليه الصلاة والسلام، قال عوف بن مالك: كان الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، ودخلت عليه في قبة أدم –أي: جلد- فقال: "اعدد ستاً بين يدي الساعة"، وذكر أولها: موته عليه الصلاة والسلام، وثانيها: فتح بيت المقدس، الفتح العظيم الذي كان شرفه للفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، ولا تزال ترن في أذني كلمة شيخ الأقصى اليوم لكي تحدد لنا البوصلة وتؤكد لنا أن هذه هي البوصلة عندما قال: "إنه لن يحرر القدس والأقصى من يلعن فاتحها عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، هي التي تبيّن لنا، هي التي تعطينا من مع ومن ليس مع، وليس ما تقوله السياسات وتقوله البيانات والمؤتمرات، في العام الخامس عشر من الهجرة أو السادس عشر يأتي الفاروق عمر يغذ الخطى من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قمة تواضعه وفي عظمة شخصيته وفي عزة إسلامه ليتسلم مفاتيح بيت المقدس من صفر نيوس القديس الأعظم عندهم، ثم يعطي العهدة العمرية الشهيرة الأمان لأهل الكتاب، لأموالهم ولأنفسهم ولكنائسهم ولا يكرهون على دينهم ولا يُنتقص شيءٌ من حقهم.

بوصلة الإسلام أيضاً تظهر هنا كما فعل صلاح الدين عندما دخل النصارى بيت المقدس وصف ابن كثير ذلك فقال: "فقتلوا فيه مقتلة عظيمة بلغت نحو سبعين ألف نفس، حتى خاضت ركب الخيول في دماء المسلمين"، وعندما دخل صلاح الدين دخل أيضاً صلحاً بعد الحصار فأطلق وعفا عن بنات الملوك ومن معهم من الصبيان والرجال، وما شُفِّع في أحد إلا عفا عنه، هذه سمة الإسلام وبوصلته العظمى الحقيقية وليست الافتراءات والممارسات التي تُلصق بالإسلام وهو منها براء.

إن هذا الموقف لاشك يذكرنا بموقف سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة عندما أمكنه الله من ألد أعدائه وأشد خصومه فقال مقولته المعروفة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء"، اليوم كل هذا التاريخ لابد أن يربطنا وقبله تلك الآيات والأحاديث وتلك الدماء التي روّت تلك الأراضي المقدسة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن المجاهدين من جند الإسلام عبر تاريخه وإلى يومنا هذا وإلى أمسنا القريب وإلى يومنا الذي نحن فيه ولحظتنا هذه تفكروا وتخيلوا ما يجري الآن عند مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف يحيط به جند الصهاينة ويمنعون المصلين، وكيف يحصل ما يحصل مما تعلمون.

مسيرات البيارق والمعتكفون للدفاع عن الأقصى:

قبل يومين.. يوم الأربعاء كان لدى الصهاينة اليهود المحتلين المجرمين ما يُسمى بعيد العرش اليهودي، كالعادة ينظمون الاقتحامات، دعا أهلنا في فلسطين نفيراً عاماً لكل بقعة من أقصاها إلى أقصاها، مسيرات البيارق التي تأخذ الناس من أقصى فلسطين في صحراء النقب من جوف الليل المظلم ليكونوا قبل الفجر أو في صلاة الفجر في المسجد الأقصى لتكون أجسادهم هي حائط الصد في أمة يبلغ تعدادها مليار ونصف مليار من المسلمين، وعندها من مليارات الدولارات ما قد يغطي هذه الأرقام أضعافاً مضاعفة ويتصدى أولئك من أهل البيارق من عرب ثمانية وأربعين من أهل القدس من مصاطب العلم من النساء والشيوخ والأطفال والصغار في منظر أحسب أنه لا أحد منا إلا ورآه في اليومين الماضيين ومن لم يره فأوصيه أن يراه، لأنه سيقف أمامه وسيرى كيف صور المواجهة بين الصهاينة المدججين بالسلاح والنساء الذين هم أعظم بطولة من كثير من الرجال وأشد حمية من كثير من جموع المسلمين يدافعون عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون بمقالهم وبأفعالهم: "لا سيادة على المسجد الأقصى سوى السيادة الإسلامية والوجود العسكري الصهيوني ما هو إلا قوة احتلال لابد أن تزول"، هذا النفير لمن لم يتابعه شامة لأهلنا في فلسطين، وشامة لأمتنا كلها، لئن كنا نتحدث عن غزة وبطولات المجاهدين فيها فإنه يجب علينا أن نعظم ونضاعف الحديث عن المرابطين والمجاهدين حول مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هناك نوع من الاعتكاف فريد ليس له مثيل إلا هناك وهو اعتكاف الحماية يبيتون في المسجد يعتكفون ليكون فيه من يذود عنه عند أي لحظة من اللحظات يجترئ فيها أولئك على الاعتداء من باب المغاربة الذي يسيطرون عليه منذ عام سبعة وستين، بالأمس دُحروا وصُدوا خلال يومين ومُنعوا وفُتح باب الأسباط ودخل منه الفلسطينيون ليكملوا الدفاع الذي لو رأينا مشاهده لدميت قلوبنا ونحن نرى هذه السجاجيد في المسجد الأقصى تُحرق بنيران القصف والطلقات النارية التي تُطلق داخل المسجد الأقصى وفوق رؤوس إخواننا وأخواتنا، لو تحوّلت البوصلة لرأينا أننا في حاجة إلى مراجعات كثيرة، نحن اليوم أبناؤنا وأجيالنا بل حتى جيل الآباء لا يعرفون ما يجب أن يعرفوا عن بيت المقدس في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وفي تاريخ الأمة ومسيرتها، وحتى بطولات اليوم لابد أن نعرفها، لابد أن نرى الكلمات التي هي القوة والعزة رغم كل الضعف والقلة والذلة والنسيان والتجاهل الذي يُعانيه أهلنا هناك في فلسطين، محافظ القدس سليل أسرة الحسيني يقول: "لن يكون المسجد الأقصى يتيماً ولا أسيراً ولن نبكيه" لما رأى بالأمس أو يوم الأربعاء يوم النفير الذي أُعلن رأى كل الناس بكل الطبقات من كل الجهات تهب زُرافات ووِحدانا، قال: "لن يكون المسجد الأقصى يتيماً ولا أسيراً ولن نبكيه فالمسجد الأقصى في هذه الوقفة يؤكد أنه لن يكون إلا مسجداً إسلامياً شامخاً بكل المعايير"، ولا أريد أن أنقلكم إلى الواقع مرة أخرى وحديث من الشيخ كمال الخطيب أحد أبرز المجاهدين المدافعين عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخاطب الصهاينة اليهود في ثقة المؤمن وعزة المسلم والامتداد الذي يراه في الأمة والأمل والثقة بوعد الله الذي لا يتزعزع بحال من الأحوال، يخاطبهم قائلاً: "لو استطعتم أن تقتلوا أهل القدس كلهم، ولو استطعتم أن تقتلوا مليون ونصف مليون فلسطيني، ولو قتلتم أربعمئة مليون مسلم فلن تحولوا بين مليار ونصف مليار مسلم أن يكونوا مدافعين عن الأقصى"، ويقول لهم في ثقة رغم كل الظرف الذي نعلمه، إنهم لا يقرأون التاريخ ولا يعرفون الواقع ولو اتجهت البوصلة إلى مكانها الصحيح لرأينا حال الأمة يبدأ في التبدّل والتغيّر من فرقة واختلاف إلى ألفة واتحاد، ومن حرب متطاحنة إلى قوة باتجاه العدو دافعة.

أسأل الله عز وجل أن يحفظ بيت المقدس من أذى المعتدين وأن يطهّره من رجس المحتلين وأن يُثبّت فيه المرابطين وأن يُفرغ على قلوبهم الصبر واليقين وأن يجعلنا في هذا السبيل من الناصرين والمؤيدين والعاملين.

الخطبة الثانية:

معاشر المؤمنين..

أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يُقدم به العبد على مولاه.

لا يأس ولا إحباط في نفوس الأمة:

وإننا معاشر المؤمنين لا تتسرب إلى نفوسنا أيّة مشاعر لإحباط ولا نسمح لمعان اليأس أن تخلص إلى نفوسنا بحال من الأحوال، في أمتنا خير عظيم، وفي كتابنا وسنة نبيّنا صلى الله عليه وسلم أسباب القوة والوحدة والعزة والنهضة والنصرة والانتصار بإذن الله عز وجل، لكنه لابد لنا من أن نعرف واجبنا، وكنت كلما أردت أن أتحدث عن أرض فلسطين يمنعني أحياناً ما أكرره على نفسي: "وماذا يفيدنا هذا الحديث؟، وما واجبنا نحوه؟ وهل نستطيع أن نؤدي شيئاً"، ولست بمجيبٌ هنا الآن أو في هذا المقام في هذه اللحظة، لكنني أقول قبل هذا لو لم يكن من ذلك إلا أن نحضر همنا ونسكب دمعنا ونرفع دعاءنا لكان في ذلك خيرٌ من أن نكون عن ذلك غافلين وناسين ومتجاهلين، نعوذ بالله أن نكون كذلك، ولاشك أيها الإخوة أننا بحاجة إلى أن نعرف كلّ ما يتصل بهذه الأرض المقدسة والواقع المعاصر، وأن ندرك تماماً أن الله سبحانه وتعالى عندما قرر في كتابه وجزم أن حكمها باقٍ إلى قيام الساعة {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ} (الإسراء: 1)، فهي أرض مباركة وهي أرض أراد الله عز وجل أن تكون فيها ساحات واسعة للأنبياء مع خصومهم وأعدائهم وأعداء الله وأعداء الديانات وأعداء الإنسانية والبشرية، ويكفي اليوم أن عدونا فيها من قال الله جل وعلا فيهم: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ} (المائدة: 82)، ولو تأملنا لوجدنا أن عداءها وعداءهم هو الذي يسري خلال الديار، وهو الذي يوظف كل ما نرى من هذه العداوات والطائفيات والعنصريات وكل ذلك الأصابع فيه ظاهرة، والتحالف فيه لم يعد خافياً وكلها تستهدف ديننا وعقيدتنا وأمتنا لأنها الأمة الوحيدة القادرة على الثبات المستعصية على الذوبان التي تستطيع أن تكون هي أمة الخيرية العامة والوسطية والشهادة على البشرية وهي الأمة القادرة على استئناف دورها وإنقاذ البشرية من كل جحيمها الذي تعيش فيه، المسجد الأقصى احتلال، إحراق، اعتداء، اقتحام، إساءات، إذا لم تحرك، إذا لم تلفت النظر، إذا لم تغيّر الوجهة فإننا في خطر عظيم، لأننا جئنا لنقطع ذنب الحية ونسينا رأسها، لأننا قد ننشغل ببنيات الطريق وننسى المقصد الأعظم، لأننا ينبغي أن نوجه وجهتنا إلى الأعداء الحقيقيين الذين يستهدفون كل شيء في أمتنا بدءاً من عقيدتها وكتابها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وعظمة شخصية رسولها الكريم عليه الصلاة والسلام، وتاريخ أمتها وكل ثقافتها وكل وحدتها وجميع أراضيها وسائر ثرواتها كل ذلك نعم، هم وراءه وهم يسعون إليه وهم يؤلبون عليه، فلماذا لا يكون هناك الالتفات اللازم، وهنا أخاطب الجميع ينبغي أن يكون هذا الخطاب موجهاً إلى الدول والحكومات، إلى العلماء والدعاة، ولي ولك ولكل أحد: كن مع بيت المقدس ومع فلسطين كلها بمالك بهمك بدمعك بكلمتك بصراخك بأنينك بدعوتك ببيانك، ولو كنت كذلك لتحوّل أيضاً مسار وجهة حياتك، نحو مسار أكثر صواباً وصحةً، لماذا نغفل؟ وكلنا نعلم كيف كان صلاح الدين ليس عبر عام ولا عامين بل عبر زمن طويل استغرق تاريخاً لمن كان قبله نور الدين زنكي ولمن جاء بعده كذلك لما فتح بيت المقدس في عهد صلاح الدين لم يتمكنوا من صلاة الجمعة في ذلك اليوم وكانت أول صلاة جمعة في الرابع من شهر شعبان، وخطب فيها الخطيب خطبة أدعوكم أن ترجعوا إليها وقد اقتطفت منها شيئاً يسيراً لأقول ماذا كان يقصد، يخاطب الذين فتحوا بيت المقدس وأكرمهم الله أن كانوا مطهرين له ممن احتله وعدا عليه، قال: "جددتم للإسلام أيام القادسية، والوقعات اليرموكية والمنازلات الخيبرية والهجمات الخالدية"، ربط بالتاريخ كله، ونحن نريد أن نربط أنفسنا بهذا السلك التاريخي الممتد من أبي الأنبياء إبراهيم الخليل عليه السلام بل من آدم كما يذكر بعض كتاب التاريخ مروراً بكل ما يتصل بإسلامنا منذ بعثة رسولنا صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا، ولذلك أدعو نفسي وإخواني أن نراجع وأن نبدأ بأن نحيي الصلة بأرض بيت المقدس وأرض الإسراء في قلوبنا أولاً وأقول: ادخلوا إلى بيوتكم ماذا تعلقون فيها؟ هل فيها شيءٌ يذكركم ببيت المقدس؟ إن لم يكن فافعلوا، اكتبوا، اقرأوا في بيوتكم مع أسركم في مشاهدكم اطبعوا كتباً حدثوا بالآيات، ذكروا بالأحاديث، وسنرى لذلك أثراً ونحن نراه اليوم في كل البقاع الملتهبة المضطربة في بلادنا وديارنا، نسأل الله عز وجل أن يطفئ نارها، وأن يعيد إليها أمنها واستقرارها، كلها ستكون وجهة واحدة لتطهير بيت المقدس، {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} (إبراهيم: 20)، وما هذه الهجمات الشرسة من أعدائنا على اختلاف توجهاتهم ونحلهم إلا لأنهم يرون قوة يخشون منها، وأمة يرون أن نهضتها سيكون لها ما لها ولذلك لا يأس ونحن نثق بوعد الله: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} (محمد: 7)، ونحن نثق بما أخبرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحاديث آخر الزمان في بيت المقدس فلنكن نحن على أقل تقدير، بقلوبنا وجهدنا ساعون لذلك لعل الله إن لم يشرفنا به أن نكون متنا وفي قلوبنا ذلك، لأنقل لكم المشهد الأخير في تلك الجمعة التي خُطب فيها استدعى صلاح الدين الأيوبي منبراً كان صنعه نور الدين الزنكي من حلب وجاء به ونصبه في بيت المقدس، صنعه نور الدين أملاً أن يكون فاتحاً لبيت المقدس، وظل موجوداً حتى فُتح بعده بسنوات وأتى به صلاح الدين ونُصب ذلك المنبر الذي صنعه في حياته ومات، فنرجو بالنية أن يكون لنا شيءٌ في بيت المقدس لعل الله أن يكرمنا وإن لم يكرمنا فتكون نيتنا بإذن الله عز وجل مذخورة في صحائف أعمالنا ومؤثرة في أبنائنا وأجيالنا.

نسأل الله عز وجل أن يحمي بيت المقدس من كل اعتداء ومكروه، نسأل الله عز وجل أن يحفظ بلاد الحرمين من كل سوء مكروه، نسأل الله عز وجل أن يحفظ بلاد المسلمين من كل شر ومن كل ضر ومن كل أذى، نسأل الله عز وجل أن يَمنّ على أمة الإسلام بالأمن والاستقرار، وأن يبسط رزقهم وأن يوفر أمنهم وأن يوحد صفهم وأن يجمع كلمتهم وأن يدحر عدوهم وأن يعيننا وإياهم على ما يحب ويرضى، وأن يجدد بنا عهد الإسلام والمسلمين، وأن يجعلنا من الساعين والعاملين لتحرير المسجد الأقصى وبيت المقدس وأرض فلسطين.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى