logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

الفرق الدينية اليهودية في العصر الحديث (الإصلاحية – المحافظة – الأرثوذكسية)
2017/9/5

د. سائد خليل عايش

1. اليهودية الإصلاحية:

وهي فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في منتصف القرن التاسع عشر في ألمانيا، وانتشرت منها إلى بقية أنحاء العالم، وخصوصاً الولايات المتحدة، وهي تسمى أيضاً "اليهودية الليبرالية" و"اليهودية التقدمية"، وهذه المصطلحات ليست مترادفة تماماً، إذ يستخدم أحياناً مصطلح "اليهودية الليبرالية للإشارة إلى اليهودية الإصلاحية التي حاولت أن تحتفظ بشيء من التراث، كما استخدم المصطلح نفسه للإشارة إلى حركة دينية أسسها كلود موتتفيوري في إنجلترا عام 1901، وكانت متطرفة في محاولاتها الإصلاحية، أما مصطلح "اليهودية التقدمية" فهو مصطلح عام يشير إلى التيارات الإصلاحية كافة.

لم يتبلور الفكر الإصلاحي كنتاج فقط لحركة التنوير، لكنه مثل أيضاً رد فعل لظاهرة ارتبطت بحركة التنوير ألا وهي حركة تحرر اليهود، بدأت هذه الظاهرة في فرنسا مع الثورة الفرنسية ثم امتدت لتشمل يهود شرق أوربا، خصوصاً في بولندا عندما قسمت إلى ثلاثة أجزاء عام (1772-1795م) وهولندا مع صدور التشريعات التي تزيل القيود أمام اليهود.

دعا هذا التيار - أيضاً - إلى تحدي طقوس العبادة، وأباح الاختلاط بين الجنسين في دور العبادة اليهودية. وأدخل الآلات الموسيقية إلى الصلاة، أما فيما يتعلق بعملية العودة إلى صهيون لتحقيق الخلاص فلقد أقر الإصلاحيون أن اليهود طائفة دينية ليس لديهم أي طموحات قومية، ومن ثم لم يعترفوا بفكرة العودة إلى صهيون وتأسيس الدولة اليهودية.

ومن أهم أفكار الإصلاحية ما يلي:

1. إلغاء الصلوات التي لها طابع قومي يهودي، وجعل لغة الصلاة هي الألمانية لا العبرية.
2. إدخال الموسيقى والأناشيد الجماعية للصلاة، والسماح باختلاط الجنسين في الصلاة.
3. القيام ببناء بيت للعبادة سموه الهيكل والغرض من ذلك تعميق ولاء اليهودي للوطن الذي يعيش فيه.
4. تفسير اليهودية تفسيراً جديداً بحيث يستند مفهوم هذه الديانة على عنصر الأخلاق، والتركيز على الجانب الأخلاقي للتلمود.

يعود ظهور الإصلاحية في اليهودية إلى أزمة اليهودية الحاخامية أو التلمودية التي ارتبطت بوضع اليهود في أوربا قبل الثورة الصناعية، وقد أدى سقوط الجيتو (الانعزال)، ثم حركة الانفتاح السياسي إلى تصعيد حدة هذه الأزمة، إذ عرضت الدول الحديثة الانفتاح السياسي على اليهود شريطة أن يكون انتماؤهم الكامل لها وحدها، وأن يندمجوا في المجتمع سياسياً واقتصادياً وثقافياً ولغوياً.

وهذا كان يتعارض وبشكل حاد مع اليهودية الحاخامية التي عرّفت الهوية اليهودية تعريفاً دينياً إثنياً، وأحياناً عرقياً، وجعلت الانتماء اليهودي ذا طابع قومي، وقد استجاب اليهود إلى نداء الدولة القومية الحديثة، وظهرت بينهم حركة التنوير اليهودية، والدعوة للاندماج، واليهودية الإصلاحية جزء من هذه الاستجابة، وقد استفاد اليهود الإصلاحيون من فكر موسى مندلسون، ولكنهم استفادوا بدرجة أكبر من الأفكار والممارسات الدينية المسيحية البروتستانتية في ألمانيا (مهد كل من الإصلاح الديني المسيحي والإصلاح الديني اليهودي).

لقد اكتسبت حركة الإصلاح الديني دفعة قوية في ثلاثينيات القرن الماضي حين ظهر بعض الحاخامات الشباب الذين كانوا قد تلقوا تعليماً دينياً تقليدياً، وتعليماً دنيوياً في الوقت نفسه، وكانت هذه ظاهرة جديدة على اليهودية إذ كانت مقررات الدراسة في المدارس التلمودية العليا، حتى ذلك الوقت، تقتصر على الدراسات الدينية فحسب.

مع نهاية القرن الثامن عشر، فتحت حكومات فرنسا والنمسا وروسيا مدارس ذات مناهج مختلطة دينية ودنيوية، وقد التف هؤلاء الشبان حول المفكرين الدينيين الداعين إلى الإصلاح، مثل: أبراهام جايجر، وصمويل هولدهايم، وكادفمان كولر، الذين يرجع إليهم الفضل في وضع أسس اليهودية الإصلاحية.

يمكن القول بأن جوهر مشروع اليهودية الإصلاحية هو محاولة نزع القداسة عن كثير من المعتقدات الدينية اليهودية ووضعها في إطار تاريخي.

لقد عدّ الإصلاحيون فكرة التوراة، - بالنسبة لهم - مجرد نصوص أوحى الإله بها للعبرانيين الأوائل؛ لذا يجب احترامها كرؤى عميقة، ولكنها يجب أن تتكيّف مع العصور المختلفة، فثمة فرق بين الوحي والإلهام، إذ إن الإلهام ليس خالصاً أو صافياً، فالبشر يصيغونه بعاداتهم ولغتهم فيختلط بعناصر تاريخية دنيوية. لكل هذا يجب على اليهودي أن يحاول فهم وتفسير هذا الوحي، أو الإلهام من آونة إلى أخرى، وأن ينفذ منه ما هو ممكن في لحظته التاريخية. وبهذا يصبح للقانون الإلهي (الشريعة) السلطة والحق، طالما كانت أوضاع الحياة التي جاء لمعالجتها مثمرة، وعندما تتغير الأوضاع، يجب أن يُنسخ القانون، حتى وإن كان الإله صاحبه ومشرّعه، أي أن الشريعة فقدت سلطتها الإلزامية المطلقة وأصبحت روح العصر النقطة المرجعية والركيزة النهائية.

وفي ضوء منطلقات الفكر اليهودي الإصلاحي، يمكننا أن ننظر إلى التعديلات التي أدخلها زعماء الحركة الإصلاحية بإلغاء الصلوات ذات الطابع القومي اليهودي، وجعلوا لغة الصلاة الألمانية (ثم الإنجليزية في الولايات المتحدة) لا العبرية (ليتمشوا مع روح العصر والمكان)، وأبطلوا كل الفوارق بين الكهنة واللاوين وبقية اليهود، وأدخلوا الموسيقى والأناشيد الجماعية، كما سمحوا باختلاط الجنسيـن في الصلوات، ومنعـوا تغطية الرأس أثناء الصلاة أو استخدام تمائم الصلاة (تفيلين).

ولقد تأثروا في ذلك بالصلوات البروتستانتية، وقام بعض الإصلاحيين ببناء بيت للعبادة أطلقوا عليه اسم "الهيكل"، وكانت تلك أول مرة يُستخدم فيها هذا المصطلح؛ لأنه لم يكن يطلق إلا على الهيكل الموجود في القدس. ومعنى ذلك أن الإصلاحيين بتسميتهم معبدهم هذه التسمية الجديدة، كانوا يحاولون تعميق ولاء اليهود إلى الوطن الذي يعيشون فيه ويحاولون نقل الحلول الإلهي من مكان سيعودون إليه في آخر الأيام إلى مكان يرتادونه هذه الأيام.

وعلى المستوى الفكري أعاد الإصلاحيون تفسير اليهودية على أساس عقلي، وأعادوا دراسة العهد القديم على أسس علمية (فالعقل أو العلم هو موضع الحلول الإلهي أو المطلق في المنظومات الربوبية)، ونادوا بأن الدين اليهودي أو العقيدة الموسوية (وهي التسمية المشتهرة لديهم) تستند إلى قيم أخلاقية تشبه قيم الأديان الأخرى.

وأما عن علاقة اليهودية الإصلاحية بالصهيونية، فقد رفضت اليهودية الإصلاحية الحركة الصهيونية في بادئ الأمر، وقد عقد الإصلاحيون عدداً من المؤتمرات للتعبير عن رفضهم للصهيونية، وقد ظلت هذه العداوة قائمة زمناً طويلاً في الولايات المتحدة، ولكن اليهود في الغرب جزء لا يتجزأ من المصالح الاقتصادية والسياسية لبلادهم، ومن محيطها التاريخي والحضاري، وهذه البلاد في مجموعها تشجع المشروع الصهيوني، ولذا لم يكن من الممكن أن تستمر الفكرة أو العقيدة الإصلاحية في مقاومة الواقع الإمبريالي الغربي الممالئ للصهيونية.

لقد تخلت اليهودية الإصلاحية بالتدرج من رؤيتها الليبرالية، وأخذت في تعديل رؤيتها بشكل يتناسب مع الرؤية الصهيونية، وبالفعل بدأ الإصلاحيون في العودة إلى فكرة القومية اليهودية الصهيونية، وإلى فكرة الأرض المقدسة.

لقد تزايد النفوذ الصهيوني داخل معسكر اليهودية الإصلاحية إلى درجة أن الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية (أي الإصلاحية) عقد مؤتمره السنوي الخامس عشر في مدينة القدس للمرة الأولى عام 1968م.

وبدأت اليهودية الإصلاحية، ابتداء من منتصف السبعينات (من القرن العشريـن)، تساهم بشكل واضح في الحركة الصهيونية، حيث أصبحت ممثلة فيها من خلال جمعية أراز (جمعية الصهاينة الإصلاحيين في أمريكا)، وقد انضم الاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى المنظمة الصهيونية العالمية عام 1976م.

أما عن وجود اليهودية الإصلاحية في فلسطين، فقد أسست أولى الأبرشيات الإصلاحية في فلسطين عام 1936م في حيفا وتل أبيب والقدس، وفي عام 1939م أسسّت مدرسة اليوباباك في حيفا، وهي أول مدرسة دينية غير أرثوذكسية في فلسطين، ويعد معبدها إيل الذي أسس عام 1958م أقدم المعابد الإصلاحية (التقدمية) في فلسطين، وفي عام 1963م أسست كلية الاتحاد العبري فرعاً لها في القدس. وقد تم توسيعها عام 1987م، ثم أصبحت المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقديمة، ويوجد قسم بالكلية لإعداد الإسرائيليين ليصبحوا حاخامات إصلاحيين، وقد تم ترسيم أول حاخام إصلاحي متخرج في المدرسة عام 1980م، وبلغ عددهم عشرين حاخاماً عام 1996م، وكل حاخامات إسرائيل الإصلاحيين (التقدميين) أعضاء في مجلس الحاخامات التقدميين، ولا يقبل حاخامات إسرائيل الإصلاحيون تعريف اليهودي الذي يقبله حاخامات الولايات المتحدة الإصلاحيون.

يوجد فرع لكلية الاتحاد العبرية في إسرائيل، وقد انتقل المقر الرئيسي للاتحاد العالمي لليهودية التقدمية إلى القدس عام 1972م، وفي عام 1980، تم تأسيس حركة الشباب الدولية الإصلاحية الصهيونية في القدس وتتبعها عشرة فروع، وتتبع الفرع الإسرائيلي حركة الكشافة الإسرائيلية، ولا يزيـد عدد اليهود الإصلاحيين في فلسطين عن عشرين ألف.

2. اليهودية المحافظة:

فرقة دينية يهودية حديثة نشأت في الولايات المتحدة، أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، كمحاولة من جانب اليهودية للاستجابة لوضع اليهود في العصر الحديث في العالم الجديد، وهي من أهم وأكبر الحركات الدينية اليهودية في العالم، وأهم مفكريها (سولومون شختر)، ولكن جذور الحركة تعود -مع هذا- إلى ما يسمّى "علم اليهودية" وأقطابها هم: (نحمان كروكمال)، و(زكريا فرانكل)، و(هنريش جرايتس)، و(سولومون رابوبورت)، وكلهم من المفكرين اليهود الأوربيين في القرن التاسع عشر.

واليهودية المحافظة جزء من الفكر الرومانسي الغربي، وخصوصاً الألماني، وهي ليست مدرسة فكرية ولا حتى فرقة دينية محددة المعالم بقدر ما هي اتجاه ديني عام وإطار تنظيمي يضم أبرشيات وحاخامات، يسمون أنفسهم "محافظين"، ويسميهم الآخرون كذلك، فالمفكرون المحافظون يختلفون فيما بينهم حول أمور مبدئية مثل الوحي وفكرة الإله، كما يختلفون بشأن الأمور الشعائرية، ولم ينجحوا في التوصل إلى برنامج محدّد موحّد.

وتعتبر اليهودية المحافظة رد فعل لليهودية الإصلاحية أكثر من كونها رد فعل لليهودية الأرثوذكسية، وترى أن هدفها الأساسي هو الحفاظ على استمرارية التراث اليهودي، باعتباره الجوهر، أما ما عدا ذلك من العبادات والعقائد فهو يظهر بشكل عضوي وتلقائي متجدد، ومن هنا، فقط ظهرت اليهودية التجديدية من صلب اليهودية المحافظة، فهي ترى أن اليهودية حضـارة يُشكل الدين جزءاً منها وحسب.

واليهودية المحافظة تعتبر نفسهاً في مركز الوسط بين الأرثوذكس والإصلاحية، فلقد كان هناك بون شاسع بين أكثر الأرثوذكس تقدماً وتفتحاً وبين الإصلاحيين مهما اتسموا بسمة المحافظة أو التقليد، وكان لا بد أن يوجد أناس لا يجدون لأنفسهم محلاً لا بين هؤلاء ولا بين أولئك.

ولقد أشار جايجر ولودفيج فيليبسون (1811-1889م) وصموئيل كاهان (1796-1862م) إلى أولئك المتوسطين بين الأرثوذكس والإصلاحيين عندما قالوا قولهم في الموضوع، قال ابراهام جايجر: "أولئك بين بين، يحاولون دمج الأفكار التقليدية السائدة بالتي يأتي بها التأمل العميق، ولكنهم، في غيهم الديني، مدفوعون بتلك الآراء والصور التي تجعلهم يمثلونها كأنها تراث الصبا الثمين". وقال فيليبسون متفائلاً: "إن رجال الوسط إصلاحيون أيضاً، فهم يريدون تنظيف الماضي وبعثه بروح جديدة". قال كاهان، محرر مجلة (Archives Israelites de france) متمسكاً بمبدأ الوسط: "إن الإصلاحات التي أوافق عليها وأدعو لها هي إصلاح منهجنا التعبدي حيثما يختلف ذلك المنهج عن وقائعنا وعاداتنا، إنا ندعو إلى إصلاحات ما كان أسلافنا ليقيموها لو كانوا يعيشون بيننا الآن، ولكن لابد للربانية واللاهوتيين اليهود من الاجتماع وبحث هذه الإصلاحات والموافقة عليها، بل إن للأقلية غير الموافقة بيننا كل الحق برفض العمل بمثل هذه الإصلاحات بخصوص أعضائها". والواقع أنه يمكن وصف رجال الوسط بأنهم يتخذون خطوة واحدة أكثر من الأرثوذكس في اتجاه الإصلاح. لكنهم يأبون اتخاذ الخطوة الأخيرة في نفس الاتجاه التي يمكنها أن تدفع بهم إلى معسكر الإصلاحيين.

عقيدة ومبادئ اليهودية المحافظة:

أ‌. المبادئ العملية:

"أولاً: الغاية من إيجاد الملة المحافظة ليسَ خلق ملة جديدة ولا انفصال عن الملل الأخرى، بل على العكس، غايتها التوفيق بين النزعتين: الإصلاحية والأرثوذكسية؛ لذلك يعتبر المحافظون تأسيس الملة المحافظة كملة غلطة لا تقع مسئوليتها على المحافظين المؤسسين، بل على الإصلاحيين والأرثوذكس الذين لم يستجيبوا لندائهم ولم ينخرطوا في صفوفهم.

ثانياً: لا بد من إقامة الصلوات والوعظ باللغة التي يفهمها العابدون، فإن لم يفهموا العبرية، يجب أن يسمح لهم باستعمال اللغة التي يفهمونها وأكثر اللغات انتشاراً في أمريكا هي طبعاً اللغة الإنجليزية.

ثالثاً: يجب حذف القراءات المطولة والأناشيد الخلاعية أو المُدرْوِشة من الكنيس، وجعل الصلاة والطقوس الأخرى كلها على جانب عظيم من الرزانة والهدوء والاحترام مما يتفق مع التعبد.

رابعاً: يجب تربية النساء اليهوديات تربية دينية وإشراكهن في أعمال الكنيس وتربية الأولاد الدينية والاجتهاد في دراسة التاريخ والقوانين والتوراة، وكذلك يجب إشراكهن في الطقوس على قدم المساواة بالرجال.

خامساً: يجب التقيد بالقوانين المأكلية والطقوس السبتية، وذلك حتى ينفذ الدين اليهودي إلى البيوت والحياة العائلية، كما أنه يجب على اليهود تشجيع أبنائهم على تعلم العبرية إن لم يكونوا يعرفونها".

ب‌. المبادئ النظرية:

أولاً: مقولة "كلال يسرائيل": أي الأمة اليهودية كشعب يعي ذاته ويجمع على تعريف نفسه كثالوث يتألف من الشعب الإسرائيلي والتوراة والإله، فهذه المقومات كلها متساوية. إذ لا يتصور الشعب الإسرائيلي دون الإله والتوراة، ولا الإله دون التوراة والشعب، ولا التوراة دون الشعب والإله. فالأقانيم الثلاثة تساوي في مجموعها وحدة عضوية هي الأمة الإسرائيلية أو "كلال يسرائيل"، فبينما أظهر الإصلاحيون الشعب على التوراة وعلى الإله، وأظهر الأرثوذكس الله والتوراة على الشعب، على المحافظين أن يساووا ويعادلوا ويجمعوا بين المقومات الثلاثة، ويترتب على هذا المبدأ الإدانة اللازمة للإصلاحيين لإبعادهم تطلع اليهود إلى العودة لصهيون.

فالنواحي القومية والسياسية في التاريخ اليهودي اصبحت من مقومات هذا التاريخ، فالتوراة والتلمود وكل الأدب الديني، يتكلم عن مأساة إسرائيل في المنفى ويأسى لبعدهم عن وطنهم الأصلي في الأرض المقدسة. وأنه لمن عدم الصدق للتراث والتاريخ اليهودي أن يحذف أمل اليهود بإحراز وطن جغرافي مادي، وأن يحرم اليهود في شتى أنحاء العالم من المكاسب الروحية الجليلة التي تترتب عن إحرازهم هذا الوطن.

ثانياً: مقولة اليهودية التاريخية الوصفية: خلافاً للأرثوذكس الذين يتقاعسون عن إدخال أية تعديلات على القانون اليهودي، وخلافاً للإصلاحيين الذين يرفضون سلطة القانون ولزومه، يعتقد المحافظون أن القانون يجب أن يفحص من جديد على ضوء حاجات الشعب اليهودي الحاضرة، وأنه، إن لزمه تعديل، أن يعدل حسب نفس الطريقة التي عدل وتطوير فيها من قبل في الأزمنة القديمة، ألا وهي طريقة "الحلقا"، فلا بد إذن من دراسة التاريخ اليهودي دراسة علمية واستخراج المعاني والقيم التي حققها الأسلاف عن طريق إبرام أو تعديل القوانين التي أبرموها أو عدلوها كي يعاد تجسيم هذه المعاني والقيم في قوانين جديدة تتلاءم مع روح العصر، فاستخراج المعاني والقيم من التاريخ هو المذهب التاريخي، وتجسيدها في قوانين جديدة تتجاوب مع الأوضاع الراهنة ووقائع العصر الحديث هو الوضعية.

ثالثاً: مقولة الوحدة في التنوع: أي جمع اليهود ضمن إطار واحد، والإبقاء على تنوع فكرهم الديني وحاجات مجتمعاتهم.

تقول مقدمة دستور اتحاد كنائس المحافظين في أمريكا "إن على الكنائس أو الجمعيات الأعضاء في هذا الاتحاد أن يعطوا ولاءهم للتوراة كما تكونت وجمعت ودونت في التاريخ. وعليهم أن يعملوا على إقامة شعائر السبت. وعليهم أن يحافظوا على الإشارة الدائمة في جميع الطقوس إلى تاريخ إسرائيل الماضي وإلى عودتهم لوطنهم وإعادة بناء ملكهم في صهيون .. ومن أهداف اتحاد كنائس المحافظين في أمريكا لم وجمع جميع فئات اليهود الموالية لليهودية التقليدية، والتي تنظر بعين العطف والرضا عن الأهداف السالفة الذكر، بدون أن يعني ذلك أن الاتحاد يوافق على ما تقره هذه الكنائس والمجتمعات من تعديلات للقانون اليهودي في هيئاتها الخاصة.

3. اليهودية الأرثوذكسية:

من أهم الفرق اليهودية في العصر الحديث، وهي ردة فعل رجعية ضد التيارات التنويرية والإصلاحية بين اليهود، وهي تدافع عن كل المقولات اليهودية التقليدية والأساطير القديمة رغم مجافاتها لحقائق التاريخ والواقع، ومما يذكر أنها تسيطر على الحياة الدينية في إسرائيل.

ومصطلح (أرثوذكسي) مصطلح مسيحي يعني "الاعتقاد الصحيح أو العقيدة المستقيمة"، وقد استخدم لأول مرة في إحدى المجلات الألمانية عام 1795، للإشارة إلى اليهود المتمسكين بالشريعة، وقد تزعم الحركة اليهودية الحاخام سمسون هيرش.

ترجع صحيفة "يديعوت أحرونوت" أصل لفظة الأرثوذكسية إلى اليونانية ومعناها العقيدة القومية أو الملتزمة أو المستقيمة، والتي استعملت لأول مرة في الأدب الديني اليهودي عام 1795م على يد الإصلاحيين ناعتين بها معارضيهم، الذين تقبلوا هذا الاسم، وأطلقوه على أنفسهم.

ويذكر الكاتب إسماعيل الفاروقي بأن كلمة "أرثوذكسية" استعملت لأول مرة في تاريخ الدين اليهودي سنة 1808م، وكان أول من استعملها الإصلاحيون ناعتين بها المحافظين الذين كانوا يعارضونهم في دعوتهم للإصلاح.

ويشار إلى اليهودية الأرثوذكسية باعتبارها "الأصولية اليهودية" حينما تطبق داخل الدولة الصهيونية، واليهودية الأرثوذكسية، فرقة دينية يهودية حديثة ظهرت في أوائل القرن التاسع عشر، وجاءت كرد فعل للتيارات التنويرية والإصلاحية بين اليهود، وتعتبر الأرثوذكسية الامتداد الحديث لليهودية الحاخامية التلمودية".

فقد ظلت "اليهودية التلمودية، القائمة على مبادئ وفكر الفريسيين والكتبة، مسيطرة على حياة جل الجماعات اليهودية منذ دمار ما سُمى الهيكل الثاني عام 70م، وحتى ظهور حركة التنوير وعمليات التحرير في أعقاب عصر الإحياء الأوربي، وانبثاق حركة الإصلاح اليهودية في بداية القرن التاسع عشر، ومنذ مطلع القرن التاسع عشر أصبحت "اليهودية التلمودية" تعرف باسم "اليهودية الأرثوذكسية"، وأضحى روادها يشكلون دعاة "التيار الأرثوذكسي"، الذي أمسى يشكل أحد التيارات الرئيسية في الديانة اليهودية في العصر الحديث.

فقد كان عزيراً على اليهودية الأرثوذكسية – وقد سيطرت على حياة جل الجماعات اليهودية في العالم منذ مطلع القرن الأول الميلادي – أن ترى دعاة الإصلاح والاندماج يهددون حصونها ويزعزعون سلطتها ونفوذها، فما كان من روادها إلا أن هبوا مدافعين عن فكر الانعزال والانغلاق وعن أسوار الغيتو، رافضين أية تغييرات تجاري مقتضيات العصر، ومحرّضين أتباعهم على مناوأة كل دعاوى العلمانية والانصهار، كيف لا وقد اعتبر رواد الأرثوذكسية أنفسهم أوصياءً على التوراة، وأمناء على تعاليمها، وحملة الرسالة اليهودية الصحيحة.

لقد اعتبر دعاة الأرثوذكسية أن محاولات الإصلاحيين تعديل اليهودية لتلائم وتواكب مقتضيات العصر مخالفة واضحة للقوانين والتقاليد الدينية اليهودية، ومن هنا حذّر هؤلاء من مخاطر الخروج من الغيتو على الحياة والديانة اليهوديتين، وقد رأى العديد من الأرثوذكس وعلى رأسهم الرابي "حزقال لانداو" (1713-1793) أن الانفتاح على الثقافة الحديثة سيؤدي إلى اندماج اليهود، بل وإلى اعتناقهم المسيحية في نهاية المطاف.

كما عارضت اليهودية الأرثوذكسية الحركة الإصلاحية وسعيها الدؤوب لتعديل نصوص الكتاب المقدس بما يلائم قيم المجتمعات الأوربية الحديثة؛ فإنها وقفت بالمرصاد أيضاً لفكر التيـار المحافظ، ذلك أنها اختلفت معه حول إمكانية إدخال تعديلات على القانون اليهودي، ففي الوقت الذي يرى فيه المحافظون أن هناك إمكانية لإدخال بعض التغييرات على القانون الديني في ضوء حاجات الشعب اليهودي الحالية، فإن الأرثوذكس عارضوا دوماً مثل هذه التغييرات.

ومن معتقدات اليهودية الأرثوذكسية ما يلي:

1. يؤمن الأرثوذكس أن التوراة هي كلام الله، وقيمتها أزلية ولولاها لما تحقق وجود إسرائيل كشعب.
2. يؤمن الأرثوذكس بالإيمان الكامل بالشريعة المدونة والشفهية، وبكل كتب اليهودية الحاخامية (التلمود والشولحان عاروخ).
3. تنطوي عقيدتهم على عدم التمييز بين الشرائع الخاصة بالعقائد، وتلك الخاصة بالطقوس فكلاهما ملزمتين.
4. لا يؤمنون بالتبديل أو التغيير؛ لأن عقل الإنسان ضعيف لا يعلو على ما أرسله الله.
5. تدافع اليهودية الأرثوذكسية عن كل المقولات اليهودية التقليدية والأساطير القديمة بكل بساطتها ومجافاتها لحقائق التاريخ؛ لأنهم يرون أن الدين اليهودي نظام يفسر تاريخ اليهود ويغطي كل جوانب الحياة اليهودية.
6. يعتقدون اعتقاداً جازماً بصحة الأساطير اليهودية كمقولة شعب الله المختار.
7. لغة الصلاة عندهم العبرية، ولا يسمحون باختلاط الجنسين.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى