logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

أسباب التطرف وبواعثه عند اليهود
2017/9/9

الدكتور مجدي عبد الله أبو عويمر

يرجع التطرف إلى جملة أسباب يصعب تحديدها أو حصرها، حيث إن التطرف ظاهرة معقدة ومتشابكة الأطراف، وأسبابها كثيرة ومتنوعة، بعضها مباشر وبعضها غير مباشر، منها ما هو ديني، وما هو فكري، منها ما هو سياسي، وما هو اجتماعي، منها ما هو اقتصادي، وما هو غير ذلك.

هناك من أرجع التطرف إلى فراغ في النفس أو التياث في الفكر، أو فعل لتطرف آخر ينتقص من نفوذ الدين، أو ائتمار خبيث تقوده قوى غامضة لتقويض الدين وهدمه.

وزاد آخرون على تلك الأسباب ضعف البصيرة بحقيقة الدين، والتمسك بحرفية النصوص، والإسراف في التحريم، والتباس المفاهيم، واتباع المتشابهات وترك المحكمات، وكذلك ضعف المعرفة بالتاريخ والواقع وسنن الكون والحياة.

والحقيقة أنه مهما بلغت تلك الأسباب من الكثرة والتنوع إلا أن ذلك في حقيقة الأمر يرجع كله إلى عدم الالتزام بتعاليم الرسالات السماوية التي تدعو البشرية إلى الرحمة والتيسير والعدالة والوسطية والتماسك وعدم الاعتداء على حياة الإنسان بغير وجــه حــق.

يقول الدكتور دراز: "ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين أو تدانيها في كفالة احترام القانون، وضمان تماسك المجتمع واستقرار نظامه والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه، والسر في ذلك أن الإنسان يمتاز عن سائر الكائنات الحية بأن حركاتــه وتصرفاتــه الاختياريــة يتولى قيادتهــا شيء لا يقــع عليــه سمعــه ولا بصــره ولا يوضع في يده ولا عنقه، ولا يجري في دمه، ولا يسري في عضلاته وأعصابه، وإنما هو معنى أنساني روحاني اسمه الفكرة والعقيدة - ويتابع - والإنسان يقود أبدًا بفكرة صحيحــة أو فاسـدة، فإذا صلحـت عقيدتـه صلح فيـه كـل شيء، وإن فسـدت فسد كل شيء".

أجل لقد ظهر التطرف وبرز العنف والإرهاب، وانتشر الفساد، وسادت الفوضى عندما فسدت عقيدة الناس، وغيب الإسلام - الذي هو دين كل الرسل(*)- عن الحكم به والاحتكام إليه.

لذلك كان الرجوع إلى الإسلام - الدين الصحيح والعقيدة السليمة - خير ضمان للأمن والأمان وقيام العدل وكبح الظلم في كافة المجتمعات. يقول ويلسون - أحد الرؤساء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية: "إن حضارتنا إن لم تنقذ بالمعنويات، فلن تستطيع المثابرة على البقاء بماديتها؛ وإنها لا يمكن أن تنجو إلا إذا سرى الروح الديني في جميع مسامها.. ذلك هو الأمر الذي يجب أن تتنافس فيه معابدنا، ومنظماتنا السياسية، وأصحاب رؤوس أموالنا، وكل فرد خائف من الله محب لبلده.

إذا كان التمسك بتعاليم الرسالات السماوية يضمن الأمن والأمان إلا أن ذلك لا يضمن انتهاج الوسطية لدى كل المتمسكين بالدين، لتفاوتهم في فهمه وتلقي شرائعه وتفسير حقائقه.

لذلك كان من أبرز أسباب ظاهرة التطرف الديني بشكل عام، والغلو في نطاق الإسلام بشكل خاص، هو القصور في الفهم وقلة البضاعة في الفقه والتعمق في معرفة أسرار الدين، والتشدد الزائد في تطبيق أحكامه لدرجة الإثقال على الناس والتضييق عليهم، والله تعالى يقول: "قُلْ يَا أَهْلَ الكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ" (المائدة: 77).

وقد ينتج التطرف أحيانًا عن ردة فعل لتطرف آخر، أي أن ردة الفعل قد تكون باعثًا واضحًا من بواعث التطرف.

ونزيد على ما سبق جملة أسباب أخرى تعد من أهم أسباب التطرف في بني إسرائيل واليهود، ومن ذلك:

- جهلهم بتعاليم دينهم، فعلى الرغم من أن المسيح ? كان يدعو إلى الرحمة واللين، والعفو والصفح والسلام والتسامح، فإن الداعين إلى التطرف وإراقة الدماء لم يجدوا تسويغًا لهم إلا في آيات جهلوا في فهمها، ففي إنجيل متى: "لا تظنوا أنى جئت لأحمل السلام إلى العالم، ما جئت لأحمل سلامًا؛ بل سيفًا، جئت لأفرق بين الابن وأبيه، والبنت وأمها، والكنة وحماتها، ويكون أعداء الإنسان أهل بيته".

وفي ذلك من اتباع المتشابه من النصوص وترك المحكمات البينات، مما لا يصدر عن راسخ في العلم، وربيب نظر، وثاقب فكر في دراسة العقائد، فإن هذه المتشابهات قد بينتها آيات محكمات في الإنجيل وما قبله.

- ومن أسباب التطرف وبواعثه عند اليهود ردة فعلهم جراء ما فعلته النازية بهم(*), ولسنا هنا وراء الأسباب التي أدت إلى اضطهاد النازية إياهم سواء بالتسويغ أو الشجب، ولكننا بصدد انعكاس ذلك على سلوكهم تجاه الآخرين، فقد بلغوا حدًا لا يطاق في الانتقام من أبرياء لم يكن لهم ذنب فيما حل بهم.

يقول أبو غزالة: "فإن اضطهاد النازية لهم دفعهم إلى بلوغ الذروة في النقمة على البشرية بشكل عام، وعلى من يقف في طريق أحلامهم بشكل خاص - ويتابع - وقد زاد من نقمة الهاربين من اضطهاد النازية إلى فلسطين أنهم وجدوا فيها خيبة مرة لما وعدوا به من أن هذه البلاد أصبحت "وطنهم الموعود" فعلاً، وأن دولة يهودية أقيمت فيها وليس عليهم إلا أن ينجوا بجلدهم من براثن النازية لينعموا "باللبن والعسل" في فلسطين، فما كان منهم أمام خيبة الأمل هذه إلا أن تقمصوا رداء النازية وأوقعوا في غيرهم ما أوقع بهم".

- ومن الجدير ذكره أن مسألة اضطهاد النازية لليهود كانت مسألة أكبر من حجمها، وقد فضح الفيلسوف الفرنسي جارودي هذه القضية في كتابه "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية".

ومن تلك الأسباب أيضًا التعبئة العدوانية: فلا تكاد تخلو قناة من القنوات الدينية والاجتماعية عند اليهود من هذه التغذية الشريرة ضد العرب ومن له صلة بهم، وذلك أنهم ينظرون إلى "الأغيار" غير اليهود من البشر على أنهم قتلة يجب أن يزولوا من الوجود كله، وهذه النظرة العنصرية أصبحت عقيدة راسخة في نفوس اليهود، لذلك يمثل غير اليهود أعداء حقيقيين لليهود، ينبغي مواجهتهم بحسم وقوة من أجل حياة أفضل لليهود، ولسنا هنا بصدد الحديث عن العنصرية اليهودية - التي سيأتي الحديث عنها لاحقًا - بقدر بيان اهتمامهم في غرس الروح العدوانية في نفوس أفرادهم، وما ينتــج عن ذلــك من عنف وتطرف وإرهتب وسفك للدماء دون وازع من ضمير وإحساس بندم.

إن سفك دماء الأطفال والنساء والشيوخ متعة لا يضاهيها متعة أخرى، لا اهتمام بقرارات الأمم المتحدة، ولا انتباه لصرخات البشرية، ولا إحساس بتأنيب الضمير ينتاب هؤلاء الصهاينة الغادرين، كما لو كانوا خلقوا بحق من أجل أعمال العنف والعدوان التي يقومون بها ويشجعونها في كل بقعة من بقاع الأرض، ويرفعون شعارات زائفة لرغبتهم في السلام يكمن وراءها ثور ثائر، وبركان هائج من العنف والعدوان يتحين الفرصة الملائمة لممارسة هوايته المفضلة. ثم إن دستورهم يقدس القهر والإبادة.

ويرى الكاتب يهوشع سوبول أن التربية اليهودية تعقد الفرد (اليهودي) في كثير من الأحيان، إذ تشحنه بمشاعر العداء التي غالبًا ما يكون التعبير عنها بالعنف، وقال: "إن في إسرائيل من يحبذ مواصلة الحرب، ويريد استمرارها، ويمكن الاستشهاد على ذلك بمـا جـاء في صحيفـة للطلبـة في جامعـة حيفـا: "ينبغي الاستمرار في ضرب العرب دون رحمــة".

ولا غرابة في ذلك؛ فإن هذه الروح العدوانية تستمد من نصوص كتبهم المقدسة فعـند قراءة كتــاب "العهــد القديــم" تطالعنــا منذ البدايــة فكــرة الصــراع بيــن الخــير والشر، وهي الفكــرة التي تنطوي عليهـــا فلسفـــة الحــرب منذ أن خلقـــت البشريـــة حتى اليــوم.

وتاريخ اليهود على النحو المدون به في "العهد القديم" يزخر بالكثير من الإشارات إلى أشكال هذا الصراع التي تجسدت فيما عرف بأنه "الحرب"... إن مدون العهد القديم يهدف من وراء ذكر القصص الحربية إلى حفز الهمم وغرس التقاليد القتالية في نفوس بني جنسه( ). يقول الشامي: (وهذه النصوص التوراتية التي تغذي الوجدان الإسرائيلي بمبررات العنف والقسوة والوحشية الحيوانية تدرس في المدارس [ اليهودية ] دون أن تحظى بأي معالجة نقدية تذكر).

وإمعانًا في التعبئة العدوانية فقد قالوا: "لا بأس من قتل الجوييم(*) (الأجانب غير اليهود)، ولا نثق بغير اليهودي بأنه لن يؤذي قواتنا".

ولقد مارس اليهود الكثير من العمليات الإجرامية الإرهابية تمشيًا مع الروح العدوانية التي تغذيها النصوص التوراتية والتلمودية وتعبئها الفكرة الصهيونية
والحاخامية اليهودية.

فالفكرة الصهيونية التي تحمل في ثناياها كل مسوغات العدوان والإرهاب تتمحور حول الزعم بأن خلاص اليهود يكمن في هجرتهم إلى فلسطين واغتصابها، وإقامة وطنهم القومي فيها على حساب شعبها العربي وحقوقه، وليس لدى الحركة الصهيونية ما تقوله لأتباعها سوى الأفكار التي تستهدف تعبئتهم تعبئة عدوانية، وتقول لهم بأنهم مكروهون ومهددون بالإبادة، وليس لهم من سبيل للدفاع عن أنفسهم سوى قتل الآخرين والاعتداء على حقوقهم وسلبها.

ومن أسبـاب التطـرف والعنف والإرهاب الشعور بعدم الأمن: إن الشعور الدائم بالقلق وعدم الاستقرار وعدم الأمن من الخصائص المؤلمة للطبيعة الإنسانية التي تولد العدوانية.

يقول شلومو هيلل - وزير شرطة سابق في الكيان الصهيوني:  "إن مشاعر الإحباط وخيبة الأمل التي تسود عقب أي حرب مع العرب، وحالة التوتر التي نعيشها والوضع الاقتصادي الصعب الذي نعانيه يكون التعبير عنها بالعنف والجريمة".

أما القاضي عوزي سيفان؛ فيرجع أسباب العنف إلى عاملين: الأول يتمثل في الأصول الحضارية المختلفة للمجتمع [اليهودي]، الأمر الذي يؤدي في أكثر الأحيان إلى صدامات بين الجيران، ويتعلق الثاني بالوضع الأمني المتردي الذي يعيشه المجتمع [اليهودي] وقال: "أصبح من المألوف القول بأننا مجتمع عنيف،وظاهرة العنف نابعة من كوننا نعيش طول الوقت تحت وطأة الضغوط الأمنية والاقتصادية( ). إن اليهود في بحثهم عن الأمن قد تصرفوا بوحشية هي بعيدة تمامًا عن الأسس الأخلاقية، واليهود يلازمهم إحساس مرضي بعدم الأمن، وقد قادهم هذا الإحساس إلى أن يسعوا للسيطرة على خصومهم بطرق تخلق الأخطار.

ثم إن مفهوم الأمن الذي يسعى إليه الكيان الصهيوني يجعلهم دائمًا في حالة استنفار قصوى، وفي اجتهادي فإن اليهود لن يشعروا بالأمن داخل أرض اغتصبوها بالقوة من أصحابها الشرعيين، وهم يدركون ذلك جيدًا ما دام أصحاب الأرض أحياء. إن مفهوم الأمن بالنسبة للكيان الصهيوني لا يعني الدفاع عن أرض معينة محددة؛ بل يعني أن يكون لقوات الكيان الصهيوني حق المناورة في الأرض العربية والأجواء العربية المحيطة بهم، وهكذا فإن أمن الكيان الصهيوني لا يتحقق بمجرد حصولهم على ضمانات دولية، وإنما هو مرتبط بإحرازهم مكاسب وإنجازات فعلية".

ومن الملاحظ أن القصف اليهودي المستمر لجنوب لبنان وعمقه إنما هو نابع من شعورهم بالقلق وعدم الأمن وللحفاظ على أمنهم، فقد انشئوا منطقة ما يسمى بالحزام الأمني - ولاحظ التسمية - في جنوب لبنان.

ومع هذا فإن أمن الكيان الصهيوني لا يمكن أن يؤمن بمجرد الحصول على حدود جغرافية معينة، بل بالوصول إلى حدود أخرى من خلال سيطرة سياسية غير مباشرة لفرض سلام يؤمن رضوخ المناطق المجاورة كلها.

إن الشعـــور الدائـــم عنــد اليهــود بعــدم الأمــن يولــد عندهــم، وباستمـرار، الانتقــام من الآخريــن.

فبحجة الحفاظ على أمنهم مُنِع العدد الكبير من العمال الفلسطينيين من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 48 لمزاولة العمل.

وبحجة الحفاظ على الأمن ضمت الكثير من الأراضي الفلسطينية عنوة إلى السيطرة الصهيونية الغاصبة.

وبحجة الحفاظ على الأمن اقتلعت آلاف الأشجار من الأراضي العربية.

وبحجة الحفاظ على الأمن اعتقل آلاف الشباب العرب والفلسطينيين بدون ذنب.

وبحجة عدم الشعور بالأمن مُنع آلاف المرضى من الوصول إلى المستشفيات عبر الأراضي التي يسيطر عليها الكيان الصهيوني قهرًا واغتصابًا، وكانت النتيجة مـوت العديــد منهــم.

وبحجة عدم الشعور بالأمن سيزداد عدد القتلى الأبرياء، وسيستمر الحصار الاقتصادي والثقافي والاجتماعي والسياسي مفروضًا على الشعب الفلسطيني إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

ولذلك فإنه مع عملية التسوية الحالية مع السلطة الفلسطينية، فإن الكيان الصهيوني ما زال متمسكًا بالمعابــر الجويــة والبريــة والبحريــة لفلسطيــن، ولـن يسلمها للفلسطينيين، وذلك بحجــة الحفــاظ على أمنهــم وشعورهــم الذي لا ينتهي بعــدم الاستقرار.

إن جميع الأسباب التي ذكرناها، والتي تعد بمثابة المقدمات التي تولد النتائج لا تعد وحدها هي المنطلقات لظاهرة التطرف والعنف والإرهاب، فمجموع هذه الأسباب وغيرها، سواء كانت تلك الأسباب دينية أو فكرية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو نحو ذلك، كلها تعمل بأقدار متباينة وبدرجات متفاوتة تركم خلفها آثارًا تتفاوت فعاليتها من وضع لآخر إلا أن لجميع تلك الأسباب والبواعث والدوافع أثرًا لا يُنكر وبصمات لا تزول.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى