logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

استحقاق اليهود عقاب الله بتطرفهم وعنفهم.. (1) العقوبات الربانية المؤقتة
2017/9/20

د. مجدي عبد الله أبو عويمر
   
توطئـــــــــــــــة


سُنَّة الله في خلقه أن يكون الجزاء من جنس العمل، وليس غريبًا أن تنطبق سنة الله على اليهود، فهم جزء من خلقه، فالله تعالى لا يحابي أحدًا على أحد.

إن قراءتنا لواقع اليهود منذ فجر تاريخهم القديم، وإلى يومنا هذا ينبئنا أنهم لن يغيروا شيئًا من طبيعة نفسيتهم التي جبلت على كل خلق ذميم حتى أصبحت سمات التطرف والعنف ظاهرة ومقروءة على جبينهم، وممزوجة في أعماقهم ووحي تصرفاتهم. إن ما اتصف به يهود من صفات التطرف والعنف على مدار تاريخهم تجعلهم عرضة لعقوبات الله تعالى، وإن ما قاموا به من أعمال (لاحظناها عبر مسيرة بحثنا هذا) تجعلهم أهلاً لنقمة الله وغضبه وعقابه.

وكما أسلفنا؛ فإن ميزان العدل الإلهي لا يحابي أحدًا على أحد، فالجزاء عنده من جنس العمل، وما ربك بظلام للعبيد. وقد بيّن القرآن الكريم جملة من عقوبات الله التي طالت اليهود نتيجة تطرفهم وكفرهم وجحودهم وعنفهم وتبجحهم.

ويذكر إبراهيم العلي أن الآيات القرآنية - غالبًا - تذكر السبب الذي جعلهم يستحقون تلك العقوبات بذكر "باء السببية" التي تعلل لغرض العقوبات، وتبين الحكمة من إيقاعها بهم.

ومن ذلك قوله تعالى: "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا وَإِن مِّنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا" (النساء: 155- 161).

إن هذه الآيات تسجل مجموعة من جرائم اليهود التي استحقوا بها عقاب الله تعالى وغضبه. وقد رأينا قبل أن نتحدث عن تفصيل هذه العقوبات أن نقسمها إلى قسمين:

القسم الأول: جعلناه في العقوبات الربانية التي وقعت وقت الجريمة وانتهت بها.

أما القسم الثاني: فجعلناه للحديث عن العقوبات التي لاحقت اليهود وتلاحقهم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأطلقنا عليها العقوبات الدائمة.

العقوبـــات الربانيــــة المؤقتــــة:

أولاً: قتلهــم بعضهــم بعضــًا:

كانت هذه العقوبة التي أخبرنا بها القرآن الكريم من أوائل ما عاقب الله تعالى به بني إسرائيل، وقد حدثت في زمن موسى "عليه السلام"، وتعد من أغرب العقوبات التي حلت بهم إذ إنها جاءت متناسبة مع عظمة جريمتهم، فتطرف اليهود في العبادة تجاوز الحد إلى درجة الارتداد عن عبادة الله تعالى، ليعبدوا عجلاً جسدًا خوار لا روح فيه، فكان من الطبيعي أن تكون كفارة هذه الجريمة العظيمة عقوبة قاسية وتأديبًا عنيفًا، فأية جرأة على الله تعالى من هؤلاء، وهم قبل مدة قصيرة يرون معجزاته - سبحانه وتعالى - الواحدة تلو الأخرى.

فمعجزات موسى "عليه السلام" والآيات التسع التي حلت بفرعون، ثم غرق فرعون وقومه وهم ينظرون إلى هذا المشهد المفزع المروِّع ألا يكون رادعًا لهم عن ارتكاب أية معصية.. لكنها طبيعتهم الخاوية ونفوسهم المريضة دفعتهم إلى ما يستحقون عليه التأديب، فقد تركوا عبادة الواحد المنتقم الجبار - الذي نجاهم من بطش وتنكيل فرعون وجنوده - ليعبدوا العجل الذي لا يضر ولا ينفع، وهذا يدل على استخفافهم بأعظم الأمور حرمة عند الله تعالى مما عجل لهم العقوبة، وأنزل عليهم غضب الله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ" (الأعراف: 152).

فقد بلغ التطرف الديني مبلغه في بني إسرائيل عندما صنعوا لأنفسهم عجلاً من الذهب؛ ليعبدوه من دون الله، فما إن ذهب موسى "عليه السلام" لمناجاة ربه وتلقي ألواح التوراة حتى خلفوه بهذا الكفر الذي نكثوا به شريعة الله وعقيدة التوحيد.

أوحى الله تعالى إلى موسى "عليه السلام" أن توبة بني إسرائيل إلى الله من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضًا، قال تعالى: "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ العِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" (البقرة: 54). وكي يتوبوا من فعلتهم العظيمة كانت كفارة التوبة أن ينفذوا أمر القتل، فنفذوا الأمر حيث قامت المجموعة الصالحة التي لم تعبد العجل بتقتيل الكافرين منهم الذين عبدوه.

يقول سيد قطب - رحمه الله: "ولم يكن بد من التطهير القاسي، فهذه الطبيعة المنهارة الخاوية لا تقوّمها إلا كفارة صارمة وتأديب عنيف. عنيف في طريقته وحقيقته.. ليقتل الطائع منكم العاصي، ليطهره ويطهر نفسه.. وإنه لتكليف مرهق وشاق أن يقتل الأخ أخاه، فكأنما يقتل نفسه برضاه.. ولكنه كان تربية لتلك الطبيعة المنهارة الخوارة التي لا تتماسك عن شر، ولا تتناهى عن منكر، ولو تناهوا عن المنكر في غيبة نبيهم ما عبدوا العجل، وإذ لم يتناهوا بالكلام فليتناهوا بالحسام، وليؤدوا الضريبة الفادحة الثقيلة التي تنفعهم وتربيهم".

بعد هذا التكفير عن جريمتهم في حق المولى - سبحانه وتعالى - أدركهم الله برحمته فتاب عليهم " فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ? فهل كانت هذه العقوبة رادعة لهم عن تكرار كفرهم وظلمهم؟!

ثانيًا: عقوبـــة الصاعقــة ورفــع الطـــور:

بنو إسرائيل هُم هُمْ في تطرفهم وجحودهم. ماديون في فكرهم.. محتجبون عن الإيمان بالغيب، فبعد أن تمت توبتهم على تلك الصورة القاسية، ها هم يطلبون من موسى "عليه السلام" أن يروا الله جهرة، وكان هذا الطلب من السبعين المختارين منهم، الذين اختارهم موسى لميقات ربه ليبايعوا ربهم عند جبل الطور نيابة عن قومهم، وعندما طلب منهم موسى "عليه السلام" أن يبايعوا الله تعالى بيعة جدية تراجعوا ونكصوا مشترطين رؤية الله عيانًا.

مـرة أخـرى يعـودون للكفـر والعصيـان ويسجلـون على أنفسهــم موقفـًًا متطرفـًًا مثيرًا غريبًا تسجله آيات من سورة الأعراف، قال تعالى: "وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ" (الأعراف: 155).

إن التعنت الذي اشتهر عن بني إسرائيل، وعُرفوا به، قد سجله القرآن عليهم شاهدًا على تطرفهم إلى يوم القيامة، فقال تعالى: "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (البقرة: 55- 56).

طلب بنو إسرائيل من موسى "عليه السلام" أن يروا الله جهرة، وأن يتجلى الله سبحانه لهم بذاتــه ليــروه بأم عيونهـم، فعاقبهـم الله تعالى بالصاعقـة صعقتهـم وأخذتهـم، ذلــك أن طبيعــة بني إسرائيـل القاسيــة لا تؤمن إلا بالمحسوس، ولا تستجيب إلا تحت وقع العذاب والتنكيل.

يقول الدكتور الخالدي: "فهؤلاء السبعون الذين هم أصلح القوم وأفضلهم يظنون أن الله يمكن أن ينزل من السماء إلى الأرض بذاته، وأن يسير ويتجول في بقاعها بذاته، وأن ينتقل من مكان إلى مكان فيها بذاته، وأنهم يمكن أن يروه بعيونهم جهرة، وأن يحددوه في جهة معينة بعيونهم، ولهذا طلبوا أن يروه جهرة بعيونهم، وإن لم يحصل ذلك فلن يؤمنوا بموسى.. فإذا كان الله هكذا على هذه الصورة من الانتقال والتحول والتجسيم والانحصار، فهل يبقى إلهًا خالقًا "ليس كمثله شيء" ولذلك عاقبهم الله على هذا الطلب الغريب والسفيه فصعقهم بالصاعقة وأخذهم بالرجفة".

والصاعقة صيحة من السماء، وهي صوت شديد عالٍ أشبه بصوت الرعد؛ حيث سمعوا ذلك الصوت الشديد في الجو، ونتج عنه رجفة في الأرض، ولعلها هزة أو زلزلة زلزلتهم وهزتهم، وقد صعق القوم بالصاعقة، وماتوا بالرجفة حسب الظاهر.

يذكر الخالدي أنه لا تناقض أو تعارض بين وصف القرآن ما حدث لهم بأنه صاعقة، وأنه رجفة؛ حيث أخبر في سورة البقرة أنه صاعقة "فأخذتكم الصاعقة" وأخبر في سورة الأعراف بأنه رجفة " فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ...".. إنهما مرحلتان متعاقبتان متتابعتان: الصاعقة ثم الرجفة.

المشهد في صورته يتجلى في القوم السبعين، وهم واقفون مع موسى "عليه السلام" عند جبل الطور، وفجأة طلبوا منه أن يروا الله جهرة بعيونهم، وأن ينزل الله ليقف أمامهم، فعاقبهم الله فورًا على هذه السفاهة والصفاقة بأن أرسل عليهم الصاعقة من السماء، فسمعوا صوتًا عاليًا شديدًا قاصفًا، ثم اهتزت الأرض ورجفت وتزلزلت، وهم يسمعون وينظرون ويشاهدون، وهم في ذروة الخوف والرهبة والانفعال. ماتوا موت صعق، وليس موتًا حقيقيًا، فقد أثر المشهد المخيف فيهم فصعقوا، وأغمي عليهم، وسقطوا صرعى، وكانوا كأنهم موتى في الظاهر.

ونظــر موسى "عليه السلام" فإذا هــم صرعى، وظنهــم موتى، فســأل الله تعالــى أن يحييهم "قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ" (الأعراف: 155). واستجاب الله دعاء موسى "عليه السلام"، وأيقظهم من إغمائهم وبعثهم من موتهم "ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" (البقرة: 56).

يقول د. الخالدي: لم تنته أعمارهم إذ لم تخرج أرواحهم من أجسادهم، فقد أفاقوا بعدما تداركتهم رحمة الله تعالى بدعاء موسى "عليه السلام".

وماذا بعد أن أفاق السبعون رجلاً من غشيتهم وهم القادمون للندم وإعطاء العهد والمبايعة؟ هل شكروا واتعظوا بعد أن وهبت لهم فرصة الحياة؟!.

رفع الطور فوقهم: الغريب أن هؤلاء القوم بعد أن يذوقوا العذاب ويروا آيات الله ما يلبثوا أن يعودوا لما كانوا عليه من الكفر والعناد، فهم قبل قليل شاهدوا آية الصاعقة والرجفة فيهم، وما أن تداركتهم رحمة الله، وطلب منهم موسى "عليه السلام" أن يعطوا العهد والبيعة؛ تراجعوا ورفضوا ذلك بكل استهتار واستخفاف، وظنوا أن الأمر لعبة تفاوضية قابلة للرد والعبث. وأن عنادهم وصلفهم وتكبرهم سيجبر نبيهم موسى "عليه السلام" على التنازل عن طلباته وتحذيراته لهم.

لكن الأمر ليس بالسهولة التي يتوقعونها، فالله تعالى يعلم طبيعتهم العجيبة، وفكرهم المادي المحجوب عن أسرار الغيب والإيمان به، فلا ينفع معهم إلا التهديد العنيف، لذلك قدم الله لهم آية مادية رهيبة ملأتهم رعبًا وخوفًا وهولاً، فقد اقتلع سبحانه جبل الطور بقدرته ورفعه فوق رؤوسهم، وهم ينظرون إلى المشهد بكل رعب وخوف.

ويروى أن الله تعالى أوحى إلى الجبل، فانقلع وارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم والسماء كأنه ظلة، خرَّ كل رجل ساجدًا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه اليمنى إلى الجبل خوفًا أن يسقط عليه، وكذلك يسجد اليهود إلى اليوم.

وقد أدركوا أن الجبـل سيسقـط عليهـم ويسحقهم تحته سحقًا إن لم يبايعوا ويعطوا العهد "وَرَفَعْنَا فَوْْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (البقرة: 63)، ويتبين المشهد الرهيب في آية أخرى: "وَإِذْ نَتَقْنَا الجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" (الأعراف: 171).

يقول سيد قطب - رحمه الله: "أمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول، ولا الهزل ولا الرخاوة.. إنه عهد الله مع المؤمنين.. وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق".

أخذ بنو إسرائيل العهد تحت التهديد والخوف، فقد شعروا أن الجبل المرتفع فوق رؤوسهم كأنه غمامة سيسقط عليهم ويسحقهم، فأعطوا العهد تحت ظل هذه الخارقة الهائلة التي كانت جديرة بأن تعصمهم بعد ذلك من الانتكاس. فهل بقوا على العهد؟! لقد خالفوا بمجرد عودتهم إلى قومهم؛ فلا هم أخذوه بقوة وصدق وتطبيق، ولا هم ذكروا ما فيه( ). إنها طبيعتهم التي لا يتحولون عنها!!

ثالثًا: مسخهــم قـردة وخنازيـــر:

مرة أخرى يظهر اليهود بمظهر النكوس والاستهانة.. ومرة أخرى تنزل بهم عقوبة جديدة من عقوبات الله الواحد القهار، وهذه المرة تختلف عقوبتهم فيها عن سابقاتها ولاحقاتها؛ إذ إن هذه العقوبة لم يوقعها الله على أمة من الأمم غير اليهود، فهي عقوبة عجيبة غريبة تحولت بموجبها الصورة الإنسانية لهم إلى صورة حيوانية بهيمية.. إنها عقوبة المسخ التي تحولوا بها من السحنة البشرية إلى سحنة القردة والخنازير.

إنه عقاب المعتدين على ما نهى الله عنه يوم السبت.

وقد سجل القرآن الكريم هذه الحادثة في آيات تتلى إلى قيام الساعة، فقال تعالى: "وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ" (البقرة: 65- 66)، وقال تعالى: "قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضَلُّ عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ" (المائدة: 60).

هذه العقوبة نزلت باليهود أصحاب القرية.. أصحاب السبت الذين تحايلوا على أوامر الله، وارتكبوا ما نهاهم الله عنه في السبت، فمسخهم الله قردة وخنازير، وقد أشارت سورة الأعراف إلى هذه القصة. قال تعالى: "وَاسْئَلْهُمْ عَنِ القَرْيَةِ الَتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ البَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ" (الأعراف: 163- 166).

وقد جاء في معنى هذه الآيات أن القرية هي إحدى قرى بني إسرائيل الساحلية، وكان بنو إسرائيل قد طلبوا أن يجعل لهم يوم راحة يتخذونه عيدًا للعبادة، ولا يشتغلون فيه، فجعل لهم يوم السبت، وقد أمرهم الله أن لا يصطادوا الأسماك والحيتان يوم السبت ابتلاء، ليربيهم الله ويعلمهم كيف تقوى إرادتهم على المغريات والأطماع، ولكن أنَّى لليهود الذين مردوا على المخالفة والعدوان أن يلتزموا بأمر الله!!

وزيادة في امتحانهم وابتلائهم كانت الحيتان تتراءى لهم على الساحل قريبة المأخذ سهلة الصيد، فإذا مضى السبت وجاءتهم أيام الحل لم يجدوا الحيتان قريبة ظاهرة، كما كانوا يجدونها يوم الحرمة، ولذلك هاجت مطامع جماعة منهم أمام هذا الإغراء، فانهار عزمهم وتهاوى صمودهم، ونكثوا عهدهم فراحوا يتحايلون على أمر الله بحيلة ماكرة؛ إذ حفروا الخنادق على شاطئ البحر، ووضعوا الحواجز حتى إذا جاء يوم السبت سقطت الحيتان في الخنادق وعجزت عن العودة، وفي اليوم التالي يقبل الماكرون على أخذها مدعين أنهم ملتزمون بأوامر الله.

وتدل آيات سورة الأعراف على أن فريقًا منهم حذرهم من مغبة احتيالهم وأسدى إليهـم النصيحـة إلا أن النصـح لـم ينفـع معهــم، فاستمـروا في غيِّهــم، فحـل عليهم عذاب الله بالمسخ " فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ?، يقول سيد قطب - رحمه الله: "لقد تنازلــوا هم عن آدميتهم حين تنازلوا عن أخص خصائصها - وهو الإرادة التي تسيطر على الرغبة - وانتكسوا إلى عالم الحيوان حين تخلوا عن خصائص الإنسان، فقيل لهم أن يكونوا حيث أرادوا لأنفسهم من الانتكاس والهوان".

ومع أن القرآن الكريم لم يصرح عن طبيعة المسخ، وكيف حدث؟ وهل تحولوا إلى الحقيقة الحيوانية أم لا؟! إلا أنه ورد من حديث رسول الله "صلَّى اللهُ عليه وسلَّم"، ما رواه ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: "سألنا رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) عن القردة والخنازير: أهي من نسل اليهود؟ فقال رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): إن الله (عزّ وجل) لم يلعن قومًا قط فمسخهم فكان لهم نسلٌ حين يهلكهم، ولكن هذا خلق كان، فلما غضب الله على اليهود مسخهم فجعلهم مثله" (أي مثل ذلك الخلق).

والذي يؤيده ظاهر القرآن، وعليه جمهور المفسرين، أنهم مسخوا قردة وخنازير على الحقيقة، وصاروا يتحركون كما تتحرك القردة، إلا أن أولئك القردة اليهود لم يتناسلوا بعد مسخهم، ولم يعيشوا إلا مدة قصيرة بعده، ثم أفناهم الله بلا ذرية، وبقيت القردة والخنازير وغيرها التي كانت قبل ذلك، ولم تكن من الحيوانات الممسوخة، فكان منها التناسل في حياتها والإعقاب بعد موتها.

وقد جاء في السنة المطهرة ما يخبر أن الله سبحانه وتعالى، لم يُهلِك قومًا فجعل لهم نسلاً أو عقبًا، فقد جاء من حديث عبد الله بن مسعود (رضي اللهُ عنه) قال: "سئل النبي (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم) عن القردة والخنازير أهي مما مسخ؟ فقال: إن الله (عزّ وجل) لم يهلك قومًا أو يمسخ قومًا، فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وأن القردة والخنازير خلقوا قبل ذلك".

يقول إبراهيم العلي: "ولا يعني أن من مسخ منهم قد انقرضوا، وانتهت معهم العقوبة وآثارها؛ فقد بقيت الآثار في نفوس اليهود الذين جاءوا بعدهم، فقد استحالت أرواحهم وأفكارهم، وانطباعات المشاعر والتفكير التي تنعكس على الوجوه والملامح إلى ما يشبه طباع وملامح القردة والخنازير، وتلقي على سلوكياتهم ظلها العميق".

رابعًا: عقوبــة التيــه في سينــــاء:


يبدو أن بني إسرائيل لا تهدأ نفوسهم بدون المعصية والجحود والكفر، فقد جبلت طبيعتهم على حب معصية أوامر الله - تبارك وتعالى - ومخالفة أنبيائهم والرسل جميعًا، فطبيعتهم عاصية متطرفة ومتمردة، كما أنها مجبولة على الجبن والتقاعس عن القتال في سبيل الله، فهذا نبيهم موسى "عليه السلام" يأمرهم بدخول الأرض المقدسة، ويعدهم بالنصر على أعدائهم فيها، وعلى الفور يبرز الجبن والهلع والخوف، فصرحوا وأعلنوا عدم استعدادهم للمشاركة في القتال، وكان إعلانهم غاية في الجحود والتجرؤ والغلظة "فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ" (المائدة: 24).

وهنا يعلّق سيد قطب - رحمه الله - قائلاً: "هكذا في وقاحة العاجز الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان".

وأمام هذا الموقف الجبان المتخاذل منهم وجد موسى "عليه السلام" نفسه وحيدًا ليس معه إلا أخيه هارون "عليه السلام" فتوجه إلى ربه بهذا الدعاء " قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ? (المائدة: 25). ومعلوم أن دعاء الأنبياء (عليهم السلام) مستجاب عند الله تعالى؛ لذلك لبى الله دعوته التي كان يطلب فيها التفريق بينه وبين إسرائيل من ذلك الجيل الجبان، قال تعالى: "قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى القَوْمِ الفَاسِقِينَ" (المائدة: 26).

وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب الأرض المقدسة - للتيه، وحرّم على جيلهم دخولها؛ حتى ينشأ جيل جديد غيرهم. ومضى هذا الجيل تائهًا في الصحراء أربعين سنة، يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار حتى ماتوا، وانتهوا بجبنهم وضعفهم وتخاذلهم، ونشأ جيل جديد تربى على الشدة والقوة، صقلته الصحراء بخشونتها؛ فأيقظت فيه معاني الرجولة والهمة والتحمل والشجاعة والإخلاص، وتم بهم فتح الأرض المقدسة بقيادة يوشع بن نون "عليه السلام".

تلك كانت جملة من العقوبات التي نزلت ببني إسرائيل جزاء بغيهم وطغيانهم وتجرئهم على أوامر الله تعالى وأحكامه، ورأينا أن هذه العقوبات وقعت في أثناء تلبسهم بالمعصية مع إصرارهم على عدم التوبة أو الندم، وقد وقعت تلك العقوبات في زمنها، وانتهت بانتهاء مسبباتها؛ إلا أنها بقيت مسجلة في آيات القرآن الكريم تنطق بالحق على طبيعة التطرف اليهودي والعنف الصهيوني إلى أن تقوم الساعة، وهناك من العقوبات ما زالت قائمة ومستمرة، تلاحقهم إلى آخر أيامهم في الدنيا، وسيكون حديثنا عنها في الخطبة التالية إن شاء الله تعالى.

 





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى