logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

استحقاق اليهود عقاب الله بتطرفهم وعنفهم.. (2) عقوبات ربانية دائمة
2017/9/27

د. مجدي عبد الله أبو عويمر

أولاً: تشديــد الأحكـــام عليهـــم:

إنه وبسبب ظلم اليهود وبغيهم واعتدائهم على حرمات الله، وتمردهم على أوامره وتحايلهم على أحكامه سبحانه التي جعلتهم "يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا.." (الأعراف: 169).

فإن الله تعالى شدد عليهم في الأحكام عقابًا لهم، فحرم عليهم طيبات كانت مباحة من قبل. وقد سجل القرآن مجموعة من الأحكام المشددة التي فرضها الله عليهم جزاء تطرفهم وجرائمهم، قال تعالى: "فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ" (النساء: 160).

ومـن بين الطيبـات التي حرمهــا الله عليهم ما أشارت إليه سورة الأنعام، قال تعالى: "وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ البَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ" (الأنعام: 146).

وهذه الآية بيان لما حرمه الله على بني إسرائيل جزاء ظلمهم، وهي أيضًا رد على اليهود الذين زعموا أن الله لم يحرم عليهم شيئًا، وإنما هم حرّموا على أنفسهم ما حرّمه إسرائيل على نفسه، فجاءت هذه الآية الكريمة لتبين بعض ما حرمه الله عليهم من الطيبات التي كانت حلالاً لهم.

وقد حرّم الله عليهم كل ذي ظفر، أي: كل حيوان ليس بمنفرج الأصابع من البهائم والطير كالإبل والنعام والأوز والبط.

وحرم الله عليهم شحوم الأنعام من البقر والغنم، واستثنى من هذه الشحوم المحرمة ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم، أي: أن الله تعالى كما حرّم عليهم كل ذي ظفر؛ فقد حرم عليهم كذلك من البقر والغنم شحومها الزائدة التي تؤخذ بسهولة، وقد استثني من التحريم من شحوم هذه الأنعام ما حملت ظهورهما أو ما حملت حواياهما أو ما اختلط بعظمهما فهو حلال لهم.

وكان هذا التحريم جزاءًا على بغيهم وظلمهم وفجورهم وتحايلهم (ذلك جزيناهم ببغيهم) إلا أن اليهود (كعادتهم كما خبرناهم)لم يلتزموا ما أمرهم الله - سبحانه وتعالى - به، ودبروا فكرة للاحتيال على أمر الله تعالى، فما كان منهم إلا أن أذابوا الشحم وباعوه وأكلوا ثمنه، فبالرغم من أن أكل الشحم الذي بيناه سابقًا محرم عليهم إلا أنهم أكلوه بطريقة أخرى ماكرة خبيثة، وذلك عندما أكلوا ثمنه، فقد روي عن أبي هريرة (رضي اللهُ عنه) أنه قال: قال رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وسلَّم): "قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها".

وجاء من حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) أنه قال: رأيت رسول الله (صلَّى اللهً عليه وسلَّم) جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك فقال: "لعن الله اليهود - ثلاثًا - إن الله حرم عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرّم على قوم أكل شيء حرّم عليهم ثمنه".

ولذلك يحرم بيع الخمر والخنزير والميتة والأصنام؛ لأن ما يحرم أكله يحرم بيعه والانتفـاع بثمنـه، فعـن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله (صلَّى اللهً عليه وسلَّم) يقول عام الفتح: "إن الله حــرم بيــع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله؛ أرأيت شحــوم الميتــة، فإنهـا تدهن بها الجلود، وتطلى بها السفن ويَسْتَصْبحُ - (أي يجعلونها في مصابيحهم)- بها الناس؟ فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال رسول الله (صلَّى اللهً عليه وسلَّم) عند ذلك: "قاتل الله اليهود؛ إن الله لما حرم عليهم الشحوم أجملوه - (أي أذابوه) - ثم باعوه فأكلوا ثمنه".

ونتيجة لتحايل اليهود وتحريفهم وظلمهم واعتدائهم على أحكام الله سبحانه؛ فقد استحقوا أن يحملهم الله إصرًا ثقيلاً وحملاً عظيمًا، وقد كان هذا الإصر الثقيل عقوبة من الله لليهود تمثلت في الأحكام الشاقة والمشددة التي طالبهم الله (عز وجل) بها جزاء بغيهم وتطرفهم، وقد ذكر الإمام الزمخشري - رحمه الله - مجموعة من هذه الأحكام الشديدة على اليهود، والتي يبدو فيها الإصر والعبء الثقيل عليهم فقال: الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي: يحبسه عن الحراك لثقله. وهو مثل لثقل تكليفهم وصعوبته، نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم، وكذلك الأغلال مثل ما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة، نحو: بت القضاء بالقصاص عمدًا كان أو خطأ من غير شرع الدية، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وإحراق الغنائم، وتحريم العروق في اللحم وتحريم السبت".

هذا هو حال اليهود جزاء اعتدائهم على حرمات الله وأوامره: الأحكام الشديدة القاسية والإصر الثقيل، ونحو ذلك من العقوبات الشديدة. "رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ.." (البقرة: 286).

ثانيًا: إلقـاء العـداوة والبغضـاء بينهـم وقســوة قلوبهــم:

حلقات متصلة في سلسلة طويلة من العقوبات الربانية التي أوقعها الله - سبحانه وتعالى - على اليهود، وتأتي هذه العقوبة الشديدة الأليمة لتحول حياتهم إلى جحيم، وتقلب علاقات الألفة والمودة فيما بينهم إلى علاقات تسودها العداوة والبغضاء والحقد حتى صار أحدهم ينظر إلى الآخر بمنظار العداوة والبغض، قال تعالى: "وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ.." (المائدة: 64).

لقد نزلت هذه العقوبة باليهود؛ لتصبح القاعدة التي تتحكم في العلاقات الاجتماعية فيما بينهم، وهي بلا شك قد أثرت تأثيرًا شديدًا على المجتمع اليهودي؛ فدمرت روابطه الداخلية، وهدمت علاقاته الأخوية؛ بسبب افترائهم على الله، وسعيهم الحثيث لإفساد الناس وتدمير مجتمعاتهم، ومحاربتهم للحق وأهله. فهم بهذه العقوبة كأنهم حولوا السوء وما يمكرون على أنفسهم، فكانت العقوبة جزاءً وفاقًا "وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (النحل: 118).

إن هذه العقوبة الربانية حولت أفراد اليهود إلى أفراد متناحرين ومختلفين ليس إلى مدة محددة، وإنما إلى يوم القيامة؛ فالناظر إلى حياة اليهود عبر تاريخهم الطويل يجد أن حياتهم ممزوجة بالحقد والكراهية والمشاحنات والاختلافات، وقد يظن البعض أنهم متحدون، ولكنهم في حقيقة الأمر خلاف ذلك فيما بينهم "بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ" (سورة الحشر، الآية : 14).

ومن أبرز مظاهر هذه العقوبة على اليهود انقسام مملكة سليمان (عليه السلام) إلى قسمين، فبعد وفاته (عليه السلام) انقسم اليهود إلى دولتين متناحرتين، وهما: دولة إسرائيل في الشمال وعاصمتها شكيم، ودولة يهوذا في الجنوب وعاصمتها القدس. وقد مرّ معنا الحديث عن قسمي المملكة في سياق البحث.

يقول إبراهيم العلي: "وقد استمرت حالة العداء والقطيعة والحرب في زمن أبيا بن رحبعام، وكان لها وقائع فعلية؛ حيث حشد أبيا أربع مئة ألف مقاتل، وزحف بهم على إسرائيل، وخرج إليه يربعام بثمان مئة ألف، ودارت الدائرة على جيش يربعام.. وكانت العلاقـة بين الدولتين تتـراوح بين حالــة الصفـاء والمحالفــة لمدة قصيرة من الزمن إلى حالة العداء والحرب وسفك الدماء وقتل الأبرياء، وكانت الدولتان تتحالفان مع الوثنيين في عصرهما لتحارب كل منهما الأخرى، واستمرت هذه الحالة بينهما حتى قضي عليهما".

ثم إن الناظر إلى حال اليهود في فلسطين؛ يجد أنهم منقسمون إلى قسمين رئيسيين من حيث بلدانهم الأصلية التي قدموا منها، فاليهود الغربيون" الإشكنازيم" يعدون أنفسهم الأفضل من غيرهم من اليهود الشرقيين "السفارديم"، ولذلك فإن الإشكنازيم يسيطرون على مقاليد الأمور السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية منذ قيام الكيان الصهيوني. يقول إبراهيم العلي: "ومما يميز العلاقة بين الإشكنازيم والسفارديم أنها قامت على التوتر والكراهية الشديدة طوال العقود الماضية، ويعاني السفارديم بصورة قاسية من التمييز الذي تمارسه ضدهم النخبة الحاكمة المتسلطة من اليهود الغربيين "الإشكنازيم" الذين يحرصون على منع السفارديم من الوصول إلى الحكم؛ لأنهم يخافون بزعمهم أن تتحول دولة اليهود إلى دولة شرقية متخلفة (كما عبر عن ذلك بن غوريون). ثم إن غالبية اليهود الغربيين يعزفون عن الزواج من يهوديات شرقيات، ويحذرون أبناءهم من اللعب مع أطفال اليهود الشرقيين".

وما زال اليهود يعيشون في ظلال هذه الشحناء والبغضاء والعداوة فيما بينهم، وستبقى هذه الحالة من العداوة قائمة بينهم كما أخبر الله تعالى إلى يوم القيامة.

أمـا القسـوة فقـد أصابت قلوبهــم، واستقرت فيها، حتى أصبحت قلوبهم كالحجارة أو أشـدّ قسـوة، وكـان ذلــك بسبــب نقضهــم ميثاقهم مع الله تعالـى، قــال تعالـى: "فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ" (المائدة: 13).

يقول سيد قطب - رحمه الله: "وصدق الله، فهذه سمات يهود التي لا تفارقهم؛ لعنة تبدو على سيماهم؛ إذ تنضح بها جبلتهم الملعونة المطرودة من الهداية، وقسوة تبدو في ملامحهم الناضبة من بشاشة الرحمة، وفي تصرفاتهم الخالية من المشاعر الإنسانية، ومهما حاولوا - مكرًا - إبداء اللين في القول عند الخوف وعند المصلحة والنعومة في الملمس عند الكيد والوقيعة، فإن جفاف الملامح والسمات ينضح ويشي بجفاف القلوب والأفئدة".

يستطيع كل إنسان أن يتخيل الحجارة الصلدة القاسية اليابسة، وهي مع كل هذه الصفات أرق وأندى من قلوب اليهود، وذلك أن من تلك الحجارة ما يشقق فيخرج منه الماء، وقد ثبت أن موسى ? عندما استسقى لقومه ضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا(*)، فهذه الحجارة على قساوتها، فإنه يوجد في قلوب البشر ما هو أشد منها قسوة، وهو وصـف لا ينفـك عن قلــوب اليهود إلى قيـام الساعــة، قـال تعالى: "ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ" (البقرة: 74).

وقد جاءت هذه الآيات بعد مشهد كفيل بأن يلين أقسى القلوب صلابة؛ لكنها قلوب يهود التي هي أشد مما نتصور، فقد ثبت أن قسوة قلوبهم التي أشارت إليها الآيات السابقة كانت بعد الحادثة التي أحيا الله فيها قتيلاً منهم بعدما تم ضربه بجزء من البقرة التي ذبحوها، فتكلم القتيل الميت، وأخبر عن قاتله، فأي قلوب هذه التي لا تتحرك ولا تلين، وهي ترى ذلك بأم عينها؟!!

نعوذ بالله من قلوب جفت فيها العاطفة، وتحجرت فيها المشاعر، وماتت فيها الرحمة. إنها قلوب اليهود التي سيطرت عليها القسوة فلازمتها مع حياتها كلها، وما زالت، فقد كانت مظاهر التطرف والعنف والإرهاب والجحود ترجمة صريحة لهذه القسوة. وقد اعترفوا هم بقسوة قلوبهم، وأكد القرآن الكريم ذلك، فقال تعالى: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) (البقرة: 88)، وستبقى كذلك!!.

ثالثًا: عقوبــة اللعنـــة والغضــب:

أخبر الله تعالى في كثير من آيات القرآن الكريم بأن اليهود استحقوا اللعنة والغضب، وكان ذلك بسبب كفرهم واعتدائهم واستخفافهم بأوامر الله ونواهيه، فقال تعالى: "لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي العَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ" (المائدة: 78- 80).

وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَطْمِسَ وَجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ" (النساء: 47)، وقال تعالى: "أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِيـنَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا" (النساء: 51 - 52).

وانظر أيضًا إلى قوله تعالى: "قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ" (المائدة: 60)، ومـن الآيــات أيضًا قولــه تعالـى: "كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (آل عمران: 86- 87).

واللعن: "الطرد والإبعاد على سبيل السخط، وذلك من الله تعالى في الآخرة عقوبة، وفي الدنيا انقطاع من قبول رحمته وتوفيقه، ومن الإنسان دعاء على غيره".
قال ابن عباس (رضى الله عنهما): "لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد (صلَّى اللهً عليه وسلَّم) في القرآن".

وتعــد عقوبــة اللعــن مـن الله على اليهود من العقوبات المستمرة التي تلاحقهم إلى يــوم القيامــة بسبـب تماديهــم في المعاصي واستمرارهـم في تطرفهــم وعنفهــم وارتكابهم السيئات.

ولنفس الأسباب فقد غضب الله عليهم غضبًا متجددًا مستمرًا لا ينقطع عنهم؛ بل يلازمهم في كل أحوالهم وأزمانهم وأجيالهم؛ فهم يتوارثون لعنة الله وغضبه كما يتوارثـون التطرف والعنف والكفر؛ فإن كتبهــم وحاخاماتهــم وقادتهــم وزعماءهــم يوصـون ويحثـون على القتــل والنهــب والمكــر والاعتداء على حرمات الله؛ بل لقد جعلوا من الأعمال الشيطانية منهاجًا يتبع لا يجوز مخالفته، ولذلك استحقوا غضب الله المتجدد.

وقد جاء في الحديث عن عدي بن حاتم ? عن النبي (صلَّى اللهً عليه وسلَّم) قال: "اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال".

وقد استحـق اليهود غضـب الله أيضًا بسبب تعاملهم مع الأنبياء، فحين لا يأتي النبي بما يحقق أهواءهم وشهواتهم؛ بل ويأمرهم بما يخالف هذه الأهواء فإنهم يسارعون إلى تكذيبه وتسفيهه، فإذا لم يُجْدِ ذلك نفعًا بالنسبة لهم؛ فإنهم سرعان ما يبادرون إلى التخلـص منه وقتله، قال تعالى: "فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ" (البقرة: 87)، أما الآيات التي تقرر غضب الله عليهم فهي قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الأعــراف: 152)، وقولــه تعالــى: "وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" (البقرة: 61). وأيضًا قوله تعالى: "فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ" (البقرة: 90).

يقول سيد قطب - رحمه الله: "فقد ظل بنو إسرائيل يرتكبون الخطيئة بعد الخطيئة ويسامحهم الله المرة بعد المرة حتى انتهوا إلى الغضب الدائم واللعنة الأخيرة" "وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ" (الأعراف: 152).

رابعًا: ضرب الذلــة والمسكنــة عليهـم وتشريدهـم في الأرض:

قـــــال تعالـــــى: "وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ" (البقرة: 61).

أشرنا فيما سبق إلى مجموعة من العقوبات التي نزلت باليهود نتيجة لأعمالهم المتطرفة وسلوكهم العنيف وكفرهم وتجديفهم على الله تعالى ورسله الكرام (عليهم السلام)، وعلى الرغم من قساوة العقوبات التي حلت بهم إلا أنهم مصرون على ارتكاب الموبقات. فلقد تمادوا فيها إلى حد كبير حتى هوت بهم إلى مكان سحيق، فكانوا أهل الذلة والمسكنة واللعنة والغضب والتشريد في الأرض.

إن كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء واعتداءهم على حرمات الله وأحكامه وعصيان أوامره جعلتهم أهلاً للذلة والمسكنة والتشريد وعرضة لغضب الله ولعنته.
أليسوا هم الذين تركوا عبادة الله الجبار، وعبدوا العجل الخوار؟ "إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ" (الأعراف: 152).

أليس من أبشع جرائمهم التي تدل على صلادة قلوبهم، وموت الرحمة فيها، قتلهم وتكذيبهم لأنبيائهم.

بلى؛ لقد كان اليهود يتمتعون بقسوة مميتة في قلوبهم، دفعتهم كلما أُتيحت لهم الفرصة إلى قتل أشرف خلق الله وأرفعهم مكانة إشباعًا لرغباتهم الفاسدة "كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" (المائدة: 70- 71).

لقد أصبح التطرف والعنف الممارسة العملية المقدسة في حياة يهود، ولهذا تعرض الأنبياء - رسل الله تعالى - إلى شتى صنوف الأذى والقتل بعد أن كذبوهم وكفروا بهم وبمن أرسلهم، ولهذا استحقوا غضب الله وسخطه أينما حلوا، وحيثما نزلوا إلى قيام الساعة "ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ" (آل عمران: 112).

وقد عبرت الآيات الدالة على هذه العقوبة عن لصوق الذلة والمسكنة بيهود بكلمة "ضربت" يقول الخالدي: "وهذه الكلمة توحي بالحالة الدائمة التي لا تفارقهم، والضرب هنا يعني الختم، تقول: ضربت الدراهم والدنانير، يعني: صهرت المعادن صهرًا وسكبت سكبًا، لتخرج على صورة الدراهم أو الدنانير، وهذا ما نلحظه في تاريخ اليهود كله، فقد ضربت عليهم الذلة والمسكنة ضربًا، وكأن نفوسهم أعيد تكوينها من جديد؛ حيث مزجت بالذلة والمسكنة مزجًا، وخلطت بهما خلطًا، وعجنت بهما عجنًا".

أما الذلة فهي الصغار والهوان والحقارة، أما الحبل فهو ما يربط بين شيئين وهو السبب الذي يوصل به إلى البغية والحاجة، ولذلك سمي الأمان حبلاً؛ لأنه سبب يوصل به إلى زوال الخوف، ويطلق الحبل أيضًا على العهد؛ لأن الناس يرتبطون بالعهود كما يقع الارتباط الحسي بالحبال.

يقول الطبري - رحمه الله: "وأما الحبل الذي ذكره الله تعالى في هذا الموضع فإنه السبب الذي يأمنون به على أنفسهم من المؤمنين، وعلى أموالهم وذراريهم من عهد وأمان تقدم لهم عقده قبل أن يثقفوا في بلاد الإسلام، والمعنى: أن هؤلاء اليهود أحاطت بهم الذلة في جميع أحوالهم أينما حلوا وحيثما نزلوا إلا في حال اعتصامهم بعهد من الله أو بعهد من الناس.

يقول الخالدي: "والحبل ورد بصيغة الاستثناء، يعني: أن الذلة والمسكنة ملازمة لليهود في حياتهم الطويلة، ولا يكاد يخرج عنها إلا مدة قصيرة جدًا.. وكيان اليهود القائم الآن يمثل هذه المدة التي يظن فيها زوال الذلة والمسكنة عنهم، فما هي إلا مدة قصيرة ريثما ينتهي فيها أمد الحبل الممدود إليهم ويتقطع".

والحقيقة التي نود أن نقولها أن اليهود ما أقاموا كيانهم الغاصب وانتصروا علينا إلا لبعدنا عن ديننا، ولن نستطيع أن نقطع الحبل الممدود إليهم من الناس من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكثير من الدول الأخرى إلا إذا تمسكنا بديننا وعقيدتنا ووحدنا صفوفنا المبعثرة هنا وهناك ?وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ" (الحج: 40)، ونحن مستبشرون بنصر الله تعالى؛ لأن الأصل سرعان ما يغلب، والذي سرعان ما يجلب على يهود بخيله ورَجله، وإذا هم يعيشون حياة الذل والمسكنة من جديد؛ لأن هذه العقوبة مصاحبة لهم في الدنيا إلى قيام الساعة، وقد اختصوا بها من بين سائر الأمم والناس جميعًا "ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ".

أما عن تشريدهم في الأرض؛ فهو أيضًا عقوبة لهم من الله تعالى جزاءً وفاقًا على كذبهم وعدوانهم، وقد صاحبتهم هذه العقوبة عبر العصور المختلفة؛ فتفرقوا في بقاع الأرض وأصقاعها حتى مُزق شملهم، وأصبحوا موضع ازدراء الأمم واحتقارهم، وكانت الذلة والمسكنة عنوان تواجدهم، وقد أخبرنا القرآن الكريم عن هذه العقوبة التي حلت بهم ولازمتهم في كل تاريخهم، فقال تعالى: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ العَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ العِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الأَرْضِ أُمَمًا مِّنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (الأعراف: 167- 168).

إنه قضاء الله وحكمه تعالى فيهم بسبب استمرارهم في ارتكاب المعاصي والموبقات، وقد ظهر حكم الله فيهم هذه المرة في أمرين: الأول؛ ليبعثن الله عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، أما الأمر الثاني؛ فهو تشتيتهم في الأرض وتفريقهم فيها وتمزيقهم شر ممزق.

يقول الدكتور الخالدي: "والتاريخ يخبرنا عن هذه الحقيقة القرآنية؛ فبعدما ارتكب يهود ما ارتكبوا من الكفر والفسوق والعصيان، أخرجوا من الأرض المقدسة وتفرقوا في بقاع الأرض، وبعث الله عليهم من كل حين من يسومهم سوء العذاب، وشُتتوا في البلاد، وتفرقوا بين الأمم والشعوب وراحو يجترُّون الآلام والمصائب، ويعيشون على العذاب والذل، وانزووا داخل "الجيتو" اليهودي في كل بقعة، وانكمشوا على أنفسهم، وتمكن منهم الحقد والبغض والعداء للإنسانية، وضمرت المعاني الإنسانية في نفوسهم ونفوس أبنائهم، وصاورا يُنشِّئون الأبناء والأحفاد على معاني الكره والحقد والبغضاء فيخرجون نسخة طبق الأصل من الطبعة اليهودية المشوهة الخالية من المعاني الإنسانية".

وإلى هنا نكون قد ذكرنا بعض العقوبات التي أنزلها الله تعالى ببني إسرائيل، ثم بمن تبعهم من يهود جزاء كفرهم وظلمهم وتطرفهم وعنفهم "وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ" (النحل: 33).

وستظل العقوبات الربانية التي نزلت بهم وسجلها القرآن الكريم شاهدًا ودليلاً على شدة تطرفهم وعظم عنفهم، كما ستبقى العقوبات الربانية المستمرة المتجددة تلاحقهم في كل زمان، وفي كل مكان إلى أن تنتهي شرورهم، وينقطع عنفهم عن الأرض "وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ المُؤْمِنُونَ" (الروم: 4).





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى