logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

تطور مشاريع التسوية السلمية حتى حرب 1948م (1)
2017/10/1

د. محسن صالح

ركزت المطالب اليهودية - الصهيونية منذ أواخر القرن 19م على إنشاء وطن لليهود في فلسطين، ولم يُجمع اليهود أو الحركة الصهيونية على تحديد دقيق لحدود الدولة اليهودية المقترحة.

لكن الأطماع وصلت بمؤسس المنظمة الصهيونية العالمية وأول رئيس لها "هرتزل" إلى الإشارة في مذكراته أنها ستكون من النيل إلى الفرات ضامة أجزاء كبيرة من مصر وكُلَّ بلاد الشام ومعظم العراق وشمال الكويت والسعودية بما فيها المدينة المنورة وخيبر.

وهي تشبه التصور الذي وُجد في خزائن روتشيلد الزعيم الصهيوني البريطاني، الذي أُرسل إليه "وعد بلفور" رسمياً. ولكن "وعد بلفور" تحدث عن "إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين" دونما إشارة إلى حدودها، غير أن الصهاينة فهموا أن ذلك يشمل شرق الأردن. وقد قدَّمت المنظمة الصهيونية العالمية سنة 1919 تصورًا لحدود الوطن القومي اليهودي، يشمل كل فلسطين الحالية وأجزاء من جنوب لبنان تبدأ من ساحل صيدا شرقاً مخترقة الحدود الحالية مع سوريا، ثم تتجه إلى الجنوب ضامة مناطق الجولان، ثم تخترق شرق الأردن على خط سكة حديد الحجاز تقريباً ضامة كُلَّ مناطق الأغوار وإربد وعجلون والسلط والكرك ومعان، وصولاً إلى العقبة على الحدود الحالية مع السعودية، ثم تتجه شمالاً باتجاه العريش على البحر الأبيض المتوسط ضامّة أجزاء من شبه جزيرة سيناء المصرية. واعتبرت الحركة الصهيونية ذلك تصوراً واقعياً يلبي الاحتياجات الضرورية لإنشاء الوطن اليهودي.

وحتى احتلال البريطانيين لفلسطين سنة 1918، لم يكن هناك ما يمكن التفاوض عليه، فاليهود كانوا 55 ألفاً أي 8% من السكان ولا يملكون أكثر من 2% من أرض فلسطين. وعندما أخذ المشروع اليهودي - الصهيوني في النمو في فلسطين بدرجة خطيرة، خصوصاً في الثلاثينيات من القرن العشرين، وعندما قام أبناء فلسطين بالثورات تلو الثورات دفاعاً عن أرضهم واستقلالهم، وعندما وجد الاحتلال البريطاني نفسه أمام مأزق الاستمرار في المشروع الصهيوني، وبالتالي إلحاق خسائر باهظة به في الجنود والأموال نتيجة الثورات التي ربما تؤدي إلى خروجه كمستعمر وإسقاط المشروع الصهيوني نفسه، فإن البريطانيين فضلوا التفكير في حلول "وسط" تضمن إنشاء كيان يهودي ولو على أجزاء من فلسطين.

ومنذ تلك الفترة كرَّت سلسلة مشاريع واقتراحات التسوية اليهودية والعربية والدولية والتي تجاوزت بضعة مئات إلى وقتنا هذا. وسوف نستعرض هنا المشاريع التي اتخذت طابعاً جدِّياً ولقيت تطبيقاً أو اهتماماً من الأطراف المختلفة، أو شكَّلت تطوراً في المواقف السياسية لمختلف الأطراف.

مشروع بيل لتقسيم فلسطين سنة 1937م:

بيل Peel هو اسم رئيس اللجنة الملكية التي عينتها الحكومة البريطانية سنة 1936 نتيجة المرحلة الأولى من الثورة الكبرى التي حدثت في ذلك العام والتي أجبرت بريطانيا لأول مرة على إعادة النظر في مشروعها الاستعماري - الصهيوني في فلسطين. وقد وصلت اللجنة إلى فلسطين في 12 نوفمبر 1936 واستمرت تحقيقاتها ستة أشهر، وقدمت تقريرها وتوصياتها في 7 يوليو 1937 في مجلد من أكثر من 400 صفحة يُعدُّ في حد ذاته مرجعاً في تاريخ فلسطين الحديث، على الأقل من وجهة النظر البريطانية.

وقد توصلت اللجنة إلى حقيقة تعارض صك الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي يتعهد بمساعدة الشعب الموضوع تحت الانتداب (الفلسطينيون) على ترقية نفسه والوقوف على قدميه، ويتعهد في الوقت نفسه بوضع فلسطين تحت ظروف تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي. واعترفت اللجنة أن الفلسطينيين قادرون على حكم أنفسهم بأنفسهم، وكذلك اليهود.

ورأت أن استمرار الانتداب يعني استمرار الثورة والاضطراب. ولذلك أوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية تتضمن جميع مناطق الجليل ومرج ابن عامر في شمال فلسطين (بما فيها صفد وطبريا وبيسان وحيفا وعكا ..) والسهل الساحلي الممتد من شمال فلسطين إلى نحو 25 كيلومترًا جنوبي تل أبيب، أما مناطق القدس وبيت لحم والناصرة مع ممر يصل القدس بيافا فتبقى تحت الانتداب. ويتم توحيد باقي أرض فلسطين مع شرق الأردن.

وقد رفض الفلسطينيون بشكل مطلق هذا المشروع، واستأنفوا بشكل أشد وأعنف المرحلة الثانية من الثورة الكبرى. أما اليهود، فقد رفضت قيادة الحركة الصهيونية ما قالته لجنة بيل من أن الانتداب غير عملي، كما رفضت الحدود المقترحة، لكنها فوضت لجنتها التنفيذية للدخول في مفاوضات مع بريطانيا للتحقق من خطة التقسيم، ثم إحالتها إلى مؤتمر صهيوني جديد لإصدار قرار بشأنها .

الكتاب البريطاني الأبيض مايو 1939م:

واشتهر كذلك باسم كتاب مكدونالد الأبيض على اسم وزير المستعمرات البريطاني مالكوم مكدونالد. وقد صدر هذا الكتاب بعد أن اشتعلت الثورة في فلسطين مرة أخرى بشكل أكثر قوة وعنفاً، وتمكنت من احتلال الريف الفلسطيني، وشَغَلَت قواتٍ بريطانية ضخمة في قمعها وسحقها، في وقت كانت بريطانيا فيه بأمس الحاجة لقواتها مع تصاعد نُذُر الحرب العالمية الثانية. كما جاء إثر التقرير السلبي للجنة وودهيد التي عينتها بريطانيا لبحث التطبيقات العملية لمشروع التقسيم الذي قدمته لجنة بيل، وكذلك بعد فشل مباحثات مؤتمر لندن بين الوفود العربية وبريطانيا واليهود (فبراير - مارس 1939).

ويبدو أن الآراء وسط البريطانيين أخذت تتزايد - نتيجة الثورة - بأن فلسطين لم تعد تستطيع أن تستوعب أكثر مما استوعبت من اليهود وإلا أخلَّت بحقوق غير اليهود، وأن بريطانيا وفَّت إلى هذا الحد بما عليها تجاه وعد بلفور. واعترف مكدونالد وغيره بقوة حجة العرب ومظلمتهم. وكانت أبرز نقاط هذا الكتاب، الذي تعهدت بريطانيا بتنفيذه بغضِّ النظر عن قبول العرب واليهود أو رفضهم:

1. أكد أن بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية في فلسطين.

2. سوف تقام بعد عشر سنوات دولة فلسطينية، يتقاسم فيها العرب واليهود المسئولية والسلطة بما يحقق مصالح الطرفين.

3. تحديد الهجرة اليهودية خلال الخمس سنوات التالية بعشرة آلاف مهاجر سنوياً بالإضافة إلى 25 ألفاً يسمح لهم فوراً بالهجرة. وبعد هجرة هؤلاء (الـ75 ألفاً) تتوقف الهجرة اليهودية، ولا تتم إلا بموافقة العرب، وبشرط ألا يزيد اليهود عن ثلث السكان.

4. وقف بيع الأرض نهائياً لليهود في فلسطين إلا في مناطق محددة، وضمن شروط لا تضر بالفلسطينيين حسب رأي المندوب السامي البريطاني.

شكَّل هذا الكتاب انتصاراً سياسياً مرحلياً للعرب، لكن معظم القيادة الفلسطينية رفضت المشروع لشكِّهم أساساً في حقيقة الوعود والنوايا البريطانية، ولأنه ربط استقلال فلسطين بمدى موافقة اليهود وتعاونهم، وليس مثلاً بمجلس تشريعي منتخب، مما يعني عملياً تعطيل الاستقلال. كما أن الكتاب لم يَعِد بإصدار عفو عام على الثوار. ورأى الفلسطينيون أنه ما دامت بريطانيا مُصرَّة على تنفيذ المشروع، فليس من الحكمة الموافقة المبكرة عليه، والزمن كفيل بكشف مدى جديتها.

أما الصهاينة فأصيبوا بانتكاسة وصدمة كبيرة، واتهموا بريطانيا بخيانتهم، وقرروا إسقاط الكتاب الأبيض بأي ثمن، وهاجمت بعض عصاباتهم القوات البريطانية داخل فلسطين. لكن الصهاينة كانوا مضطرين للوقوف مع بريطانيا - على أي حال- في الحرب العالمية الثانية، ولذلك قال زعيمهم في فلسطين (بن جوريون): "سنحارب مع بريطانيا في هذه الحرب كما لو لم يكن هناك كتاب أبيض، وسنحارب الكتاب الأبيض كما لو تكن هناك حرب"!!





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى