logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

تطور مشاريع التسوية السلمية حتى حرب 1948م (2)
2017/10/15

الدكتور محسن صالح

مشروع تقسيم فلسطين حسب قرار الأمم المتحدة181 لسنة 1947:

استغل اليهود الصهاينة أجواء الحرب العالمية الثانية استغلالاً كبيراً، وسعوا إلى استثمار التعاطف الذي نشأ بسبب المذابح التي ارتكبها هتلر ضدّهم، والتي تم تضخيمها وتهويلها بشكل عظيم، مؤكدين أن لا بديل لنجاتهم إلا بإقامتهم في وطن قومي خاص بهم.

وحوَّل اليهود مركز نفوذهم إلى القوة العظمى الصاعدة الولايات المتحدة، وحصلوا على دعم الحزبين الجمهوري والديموقراطي لإلغاء الكتاب البريطاني الأبيض لعام 1939.

وأظهر الرئيس الأمريكي الجديد "ترومان" تعاطفاً أكبر مع الصهيونية. وفي جو من الضغط الأمريكي - اليهودي والضعف العربي، قام البريطانيون بالتخلي رسمياً عن الكتاب الأبيض في البيان الذي أصدره وزير الخارجية بيفن Bevin في 14 نوفمبر 1945. وتشكلت لجنة أنجلو - أمريكية (بتوصية من بيان بيفن) للتحقيق في قضية فلسطين، مما أدخل أمريكا بشكل مباشر في القضية، وقد أوصت اللجنة بهجرة مائة ألف يهودي، وبحرية انتقال الأراضي وبيعها لليهود.

وعرضت بريطانيا في مؤتمر لندن 10 سبتمبر - 2 أكتوبر 1946 مشروعاً اتحادياً "مشروع موريسون" ويتضمن تقسيم فلسطين لأربعة مناطق إدارية:

1. منطقة يهودية.
2. منطقة عربية.
3. القدس.
4. النقب.

بحيث تُمنح المنطقتان العربية واليهودية استقلالاً ذاتياً. وقد رفض العرب المشروع وأسقطوه.

بعد ذلك، قررت بريطانيا أن ترفع قضية فلسطين إلى الأمم المتحدة بحجة أنها قررت إنهاء انتدابها على فلسطين . فدعت في 2 إبريل 1947 الأمم المتحدة لعقد دورة استثنائية. وبعد مناقشات مسهبة قررت الجمعية العامة في 15 مايو 1947 تأليف اللجنة الخاصة للأمم المتحدة بشأن فلسطين (انسكوب UNSCOP) وتألفت من 11 دولة هي: استراليا - كندا - تشيكوسلوفاكيا - جواتيمالا - الهند - إيران - بيرو - السويد - الأورجواي - يوجوسلافيا - هولندا. ومهمة اللجنة التحقيق في قضية فلسطين، ورفع تقرير للجمعية العامة وتقديم الاقتراحات التي تراها ملائمة لذلك. وعقدت الانسكوب 16 اجتماعاً عاماً، و36 اجتماعاً خاصاً بين 26 مايو و31 أغسطس 1947، واستمعت لبيانات سلطات الانتداب البريطاني وشهادات العرب واليهود.

وأقرَّت في تقريرها أن العرب أكثر من ثلثي السكان وأنهم يملكون ما يزيد على 86% [النسبة الحقيقية أكبر وهي 93.5%]من أرض فلسطين، وأنهم بموجب حقهم الطبيعي القانوني توَّاقون للحصول على استقلالهم الناجز.

وتضمن تقرير اللجنة توصيات وافق عليها أعضاؤها بالإجماع وهي: إنهاء الانتداب البريطاني، واستقلال فلسطين على أن تسبق ذلك مرحلة انتقالية، تكون السلطة في أثنائها مسئولة أمام الأمم المتحدة، مع بقاء الصبغة الدينية للأماكن المقدسة.

وانقسم الأعضاء في تفصيلات النقاط الأخرى فانقسموا إلى أكثرية قدمت المشروع التالي:

1. تقسيم فلسطين إلى دولتين يربط بينهما اتحاد اقتصادي.
2. تكون الدولة العربية على مساحة 42.88% من المساحة لأرض فلسطين ويسكنها 725 ألف عربي و10 آلاف يهودي.
3. تكون الدولة اليهودية على مساحة 56.74%، وسكانها 498 ألف يهودي و497 ألف عربي.
4. يوضع للقدس كيان مستقل خاضع لنظام دولي خاص، تتولى الأمم المتحدة إدارته عبر مجلس وصاية (القدس والبلدان المجاورة حتى أبو ديس شرقاً وبيت لحم جنوباً وعين كارم غرباً) وتضم 105 آلاف عربي و100 ألف يهودي.

أما اقتراح الأقلية فقدمته إيران والهند ويوجوسلافيا، وتضمّن إقامة دولة اتحادية عاصمتها القدس، تضم حكومتين مستقلتين استقلالاً داخلياً.
وامتنعت استراليا عن تأييد أيٍّ من الاقتراحين.

وفي 3 سبتمبر 1947 جعلت الأمم المتحدة من نفسها لجنة خاصة لبحث المشروعين، حيث عقدت 34 اجتماعاً بين 25 سبتمبر و25 نوفمبر 1947. ورفضت الجمعية العامة اقتراحاً بدعوة محكمة العدل الدولية لتقرير صلاحية الأمم المتحدة في النظر في تقسيم فلسطين بأغلبية 25 ضد 18 وامتناع 11.

وبالعكس صوتت 21 دولة مقابل 20 على أن للأمم المتحدة صلاحية التوصية بتطبيق قرار التقسيم، دون حاجة لموافقة أكثرية شعب فلسطين!! وتعكس حالة التصويت هذه مخالفة الأمم المتحدة لأبرز مواثيقها التي قامت على أساسها، وهي حق الشعوب في تقرير مصيرها. وهذا انعكاس طبيعي لنفوذ الدول الكبرى، وعدم عضوية أغلبية دول العالم الإسلامي وإفريقيا في ذلك الوقت في الأمم المتحدة، لأنها كانت ما تزال تحت الاستعمار، مما يجعل للدول الغربية ومن يدور في فلكها فرصة أكبر للنجاح في التصويت.

وفي 25 نوفمبر 1947 وافقت اللجنة الخاصة على خطة التقسيم مع وحدة اقتصادية بـ25 صوتاً مقابل 13 وامتناع 17. واختلف مضمون القرار بأن أنقص من المنطقة المخصصة للدولة اليهودية بجعله يافا وحوالي 500 ألف دونم من صحراء النقب من نصيب الدولة العربية لتصبح النسب 54.7% للدولة اليهودية (14400كم2)، و44.8% للدولة العربية (11780كم2) ونحو 0.5% لمنطقة القدس. ورُفع الأمر للجمعية العامة لاتخاذ قرار يحتاج إلى أغلبية الثلثين الحاضرين المشتركين في التصويت. ولم تكن القوى الكبرى تملك أغلبية الثلثين، وكاد في يوم 26 نوفمبر أن يحدث تصويت، ولو تم لسقط مشروع التقسيم، لكن رئيس الجمعية مندوب البرازيل أجَّل الجلسة.

وقام اليهود والأمريكان بحملة محمومة نجحت بمختلف الوسائل في زيادة الأصوات المؤيدة، فقد استلمت زوجات ممثلي أمريكا اللاتينية هدايا كثيرة معظمها ألماس ومعاطف فرو ثمينة. وأَمَرت حكومة هايتي (التي كانت قد صوتت ضد التقسيم) مندوبها بالتصويت معه، بعد أن وعدتها أمريكا بالمساعدة الاقتصادية. واستخدم رجل الأعمال الأمريكي روبرت ناثان نفوذه الاقتصادي لشراء صوت جواتيمالا، وهدّدت شركة فايرستون ليبيريا اقتصادياً إن لم تتحول من الامتناع إلى التأييد، وتعرضت الفلبين لضغوط شديدة، وتدخل رئيس جمهوريتها، فأمر مندوبه بالموافقة على القرار. ووفق هذه الألعاب القذرة تم تقرير مصير أحد أقدس وأطهر البقع في الأرض. تُرى ما هو المنطق في أن يتقرر مصير شعب مسلم وأرض مقدسة بناء على أن زوجة فلان من أمريكا اللاتينية حصلت على طقم ألماس أو معطف فرو!! أو لأن ليبيريا تخشى نفوذ شركة أمريكية!!

وفي يوم 29 نوفمبر 1947 فاز قرار التقسيم بأغلبية 33 مقابل 13 وامتناع 10 (وكانت بريطانيا ضمن الممتنعين عن التصويت!!).
 
إن قرار الأمم المتحدة هذا من أغرب القرارات الدولية فقد:

1. صدر مخالفاً لأحد أهم أهداف المنظمة الدولية وهو حق الشعوب في تقرير مصيرها.
2. يفتقر إلى أي سند قانوني، فالجمعية العامة لا تملك سلطة التصرف في شئون الأقاليم الموضوعة تحت الانتداب، ومنها فلسطين. فقد أنشأت الأمم المتحدة نظام "الوصاية" وكان عليها أن تدخل في مفاوضات لوضع فلسطين تحت الوصاية، وتقرر إنهاء الانتداب على فلسطين، إذا كان قد حقق أهدافه في تهيئة البلد للاستقلال.
3. ليس في ميثاق الأمم المتحدة أو أي هيئة رئيسة فيه سلطة تقسيم إقليم محدد دولياً خلافاً لرغبة سكانه.
4. هذا القرار يعد في الفقه الدولي - السائد في حينه - توصية غير ملزمة، صدرت وفق المادة العاشرة من ميثاق الأمم المتحدة، وهي لا يمكن أن تمس الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني.
5. قرار التقسيم - جدلاً - مخالف للعدل في التوزيع فلا هو راعى نسبة ملكية الأراضي (اليهود لا يملكون أكثر من 6.5%) ولا هو راعى نسبة السكان (اليهود 31.7%)

ورغم ذلك فإن مشروع التقسيم هذا قد اتخذ هالة كبيرة وقوة عملية لأنه يخدم الجانب اليهودي وأهداف القوى الكبرى. ومن الجدير بالذكر أن الاتحاد السوفييتي أيَّد هذا القرار بقوة وعبأ أنصاره باتجاهه. ورغم أن اليهود بذلوا جهد المستميت لإنجاح القرار واستقبلوه بفرحة عارمة، إلا أن الكيان الصهيوني لم يعترف مطلقاً "بشكل رسمي" بهذا القرار، وتعامل معه كأمر واقع ومسألة إجرائية. وسعى بعد ذلك إلى تجاوزه بشن الحملات الحربية التي وسعت كيانه إلى 77% نتيجة حرب 1948، (وإلى احتلال كامل فلسطين سنة 1967).

وبعد انتهاء حرب 1948، لم تقم الأمم المتحدة أو القوى الكبرى بإلزام الكيان الصهيوني بالعودة للحدود المقترحة في قرار تقسيم فلسطين، وإنما سعت إلى تثبيت الحدود الجديدة وفق اتفاقيات هدنة عُقدت بين الجانب "الإسرائيلي" مع مصر في 24 فبراير 1949، ثم لبنان في 23مارس ثم الأردن في 3 إبريل ثم سوريا في 20 يوليو 1949.

وتعاملت القوى الغربية والعظمى مع الأراضي التي ضمها الكيان الصهيوني إليه بالقوة في أثناء الحرب باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من هذا الكيان. وهذا يظهر لا مبالاة حقيقية بموضوع الحقوق وقرارات الأمم المتحدة عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين والعرب والمسلمين.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى