logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

الأُمَّة المُقاومِة.. كيف نصنعها وكيف تنهض
2017/10/24

أبرز أفكار الخطبة:

1. مَدخلٌ: حول مفهوم صناعة الأُمَّة المقاوِمَة، وضروراته في عصرنا الحديث في ظلِّ ما تواجهه الأُمَّة مِن مُشكلاتٍ .
2. الفكرة الرَّئيسيَّة: ماذا تعني إسلاميَّة فلسطين وكيف نصنع الأُمَّة المقاوِمَة على طريق تحريرها.
3. الخاتمة: حول إشارة إلى أهمِّيَّة فكرة صناعة الأمة المُقاوِمَة، ودور الإعلام في ذلك.


الخطبة الأولى (المدخل والفكرة الرئيسية):

?بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمـَنِ الرَّحِيمِ? ?الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20)? [سورة التَّوبة]

تطرح الأوضاع الحالية التي تعيشها الأُمَّة المُسلمة العديد من القضايا والتَّساؤلات على المُهتمِّين وذوي الشَّأن والمَروءة في صدد كيفيَّة علاج هذه الأوضاع، والعمل على تصويب العديد مِن المُشكلات التي أدَّتْ إلى تردي أحوال المسلمين حتى هذا المستوى الذي باتت معه الأُمَّة غير قادرة على صِناعة رغيف خبزها، فضلاً عن صناعة قرارها الإستراتيجيِّ.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ الأُمَّة العربيَّة والمسلمة لم تمرُّ عبر تاريخها بمرحلةٍ مِن التَّردِّي على مختلف المستويات، الاقتصاديَّة والثَّقافيَّة والسِّياسيَّة، وعلى المستوى الحضاريِّ بشكلٍ عامٍّ مثلما تمرُّ في هذه المرحلة من تاريخها، فحتى في أحلكِ لحظات التَّاريخ؛ كانت تظلُّ دومًا دولة الخلافة الإسلاميَّة الوعاء الحاضن للأُمَّة، والذي يجمعها في أوقات الشِّدَّة والبلاء ويعمل على إيجاد الدُّروع الواقية مِن أية مخاطرَ خارجيَّةٍ أو داخليَّةٍ تهدِّد بنيان وكيان الأُمَّة.

وفي فتراتٍ كثيرةٍ من تاريخها، واجهت فيها الأُمَّة العديد من المخاطر والمصاعب؛ كان اللهُ تعالى يٌقيِّضُ لها بعض الرِّجالات الذين يقومون بعبء الأمر برُمَّتِه، كما في حالة نور الدِّين محمود وعماد الدِّين زنكي وصلاح الدِّين الأيوبيِّ إبان الحملات الصَّليبيَّة، وسيف الدَّين محمود قُطُز في وقت الغزو المغوليِّ، وكان الشَّعار الرَّئيسيُّ الذي يرفعه هؤلاء الرِّجالات، هو "أُمَّة الجهاد والمُقاوَمة"، ولم يكونوا يكتفون برفع الشَّعار؛ ولكنهم كانوا أيضًا يتَّخذون من الإجراءات العمليَّة ما يكفل ردع المعتدي وصيانة حدود الأُمَّة واستعادة حقوقها.

ومن بين أهمِّ هذه الإجراءات العمليَّة هو جمع شمل الأُمَّة وتوحيد كلمتها وفعلها على كلمة اللهِ تعالى وأوامره، والعمل على بناء عناصر القُوَّة الشَّاملة لها بما يُحقِّق الأهداف المرحليَّة والإستراتيجيَّة المطلوبة وصولاً إلى تحقيق الغاية النَّهائيَّة، مثل طرد المستعمر أو القضاء على حركةٍ دخيلةٍ تسعى إلى تفتيت شمل الأُمَّة.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ الأُمَّة في وقتنا الرَّاهن أحوج ما تكون إلى استعادة مثل هذه الرُّوح، والتَّشبُّث بمثل هذه المفاهيم في ظلِّ ما تمرُّ به مِن مِحَنٍ وابتلاءاتٍ، ليس أصعبها نهب ثرواتها على يد المستعمر الجديد المُتمثِّل في قوى الاستكبار العالميِّ، وعلى رأسها الولايات المتحدة، مع استمرار وجود اليهود في فلسطين وفي بيت المَقدس الذي شرَّفه اللهُ تعالى من فوق سبعِ سماواتٍ.

ولكن هناك العديد مِن التَّساؤلات والقضايا ذات الأهمِّيَّة التي تُطْرَحُ في هذا المُقام، ومِن بينها مَن يُمكنه في الوقت الرَّاهن القيام بهذا العبء، وما هي الأدوار الرَّئيسيَّة المطلوبة، وما هي طبيعتها؛ هل هي سياسيًّةٌ؟، أم عسكريًّةٌ؟، أم إعلاميَّةٌ، أم ثقافيَّةٌ وتربويَّةٌ؟، أم هي دعويَّةٌ؟، أم هي كلٌّ ذلك معًا؟، والأهم هو كيف يُمكن القيام بها مع كون الكثير مِن عوامل ضعف الأُمَّة يأتي من داخلها؛ حيث يُواجَه المشروع الإصلاحيُّ الذي تقوده القوى الإسلاميَّة بالعديد مِن المصاعب والمتاعب مِن جانب العديد من الحكومات والأنظمة الموجودة، والتي إن لَّم تحارب هذه القوى بشكلٍ مباشرٍ؛ فإنَّها تُدمِّرُ.

والصُّورة القائمة بالفعل في وقتنا الرَّاهن قاتمةٌ، وتقول إنَّ الأُمَّة بحاجةٍ بالفعل في هذا الوقت، أكثر مِن أيِّ وقتٍ مضى لإعادة بناء مفهوم الجهاد والأُمَّة المُقاوِمة.... فـ:

؛ ثروات الأُمَّة منهوبةٌ من قوى الاستكبار العالميِّ..
؛ الإسلام يُحارب في أرضِه وفي خارج أرضِه..
؛ الفساد والاستبداد جاثمٌ على صدرها ويمنع خيِّرَة رجالات الأُمَّة من الإمساك بزمام أمورها، وينهب خيراتها..
؛ الاستعمار المُباشِر موجودٌ في أهمِّ بلادها؛ في أفغانستان وفي العراق، ويضرب في بلدانٍ أخرى؛ في باكستان وفي الصُّومال..

والأسوأ؛.............

أنَّ اليهود في فلسطين.. يحتلون المسجد الأقصى، ويهودون القُدس، ويطردون أهل البلد الأصليِّين من أرضهم التي ظلُّوا عليها لآلاف السنين..

فماذا نطلب أكثر مِن ذلك لأجل أنْ نرفع راية.. الإصلاح؟!.. الجهاد؟!.. راية.. أُمَّة المقاومة؟!.. إنَّ العلماء الثِّقاة مِن المسلمين قد أفتوا بأنَّ الجهاد يصبح فرض عَيْنٍ على كلِّ مسلمٍ ما دام العدوُّ على الأبواب؛ فما الحال والعدو داخل الديار نفسها، ويحارب الدِّين، ويُظاهِر على إخراج المسلمين من ديارهم..

لكن ما هو مفهوم الجهاد؟.. هل هو الجهاد بالنَّفس والمال فقط؛ أم إنَّ للجهاد أشكالاً أخرى لا تقلُّ أهمَّيَّةً وخطورةً عن هذه الصُّور المشهورة أو المعروفة عن الجهاد؟!.. في حقيقة الأمر؛ فإنَّ للجهاد أشكالاً أخرى لا تقلُّ فاعليَّةً وتأثيرًا على المستوى العام، ومن بينها جهاد الكلمة والتَّربية والدَّعوة.

ولا يظنُّ أحدٌ أنَّ هذه الصُّور مِن الجهاد سهلةٌ أو بسيطةٌ.. فهل يمكن لأيِّ أحدٍ أنْ...

؛ يقنع مَن أمامه بالكلمة؟!..
؛ يدعو الآخرين للتَّضحية مِن أجل إخوانهم في فلسطين بالمال والنَّفس والعمل؟!..
؛ مُواجهة تأثير وسائل الإعلام المُدمِّر على الأخلاقيَّات والقِيَمِ والأولويَّات لدى الشَّباب؟!..
؛ مُواجهة الفساد والتَّرهُّل الحاصل في قطاعات التَّربية والتَّعليم ورعاية الشَّباب ومنافذ التَّنشئة الاجتماعيَّة الأخرى؟!..
؛ مُواجهة حرب الكلمة والمُعْتَقَدِ التي يواجهها العلماء والمُربُّون ودُعاة الكلمة الإسلاميُّون مِن القوى العلمانيَّة والحكومات داخل بلادهم ومن أعداء الأُمَّة خارج بلادهم؟!..

وفي هذا الإطار، نُحاوِلُ في هذا المُقام إلقاء الضَّوء على بعض من معالم القضيَّة التي نعالجها في هذا السِّياق، وهي ماذا نعني بالأُمَّة المُقاوِمة، وماذا نعني بمبدأ إسلاميَّة فلسطين، وما تفرضه من مُوجباتٍ على كلِّ مسلمٍ ضمن ما نتحدَّث عنه حول الأُمَّةِ المُقاوِمَة.

الفكرة الرَّئيسيَّة: ماذا تعني إسلاميَّة فلسطين وكيف نصنع الأُمَّة المقاوِمَة:

يقول العلامة الدُّكتور يوسف القرضاوي حول مبدأ إسلاميَّة فلسطين، إنَّ فلسطين والقدس "ليست للفلسطينيِّين وحدهم، وإنْ كانوا أولى النَّاس بها، وليست للعرب، وإنْ كانوا أحقَّ النَّاس بالدِّفاع عنها، وإنَّما هى قضيَّةُ كلِّ مسلمٍ أيَّا كان موقعه، وكما لا يجوز أنْ يُقال إنَّ المسجدَ الحرامَ شأنٌ سعوديٌّ، فكذلك يًقال عن القدس الشَّريف".

بينما يقول المُفكِّر الإسلاميُّ الدُّكتور علاء الدِّين مُحَرَّم: "إنَّ الذي يقول: ما لي ولفلسطين؛ كالذي يقول ما لي وللإسلام، فما فلسطين إلا قطعةً مُصابةً مِن الجسد الإسلاميِّ، ولبنةٌ مزعزعةٌ مِن لَبنات بنيانه، فكلُّ قطعةٍ لا تتألَّم لألمِ فلسطين ليست مِن هذا الجسد، وكلُّ لَبِنَةٍ لا تختلُّ لاختلالِ فلسطين ليست من هذا البُنيان، ولحكمةٍ إلهيَّةٍ كان التَّحرير الثَّاني لبيت المقدس على يدِ رجلٍ مُسلمٍ، لم يكن فلسطينيًّا، ولم يكُن عربيًّا؛ بل كان مِن الأكراد المسلمين" ويقصد طبعًا صلاح الدِّين الأيوبيِّ.

ولسنا بحاجةٍ إلى عرض الآيات القرآنيَّة الكريمة والأحاديث النَّبويَّة الشريفة التي تشيرُ إلى قيمة فلسطين ومكانتها في الإسلام؛ فهي أرضُ الإسراء والمِعراج، وقِبلة المسلمين الأولى، والأرض التي بارك اللهُ تعالى فيها، وهي كذلك مَهْبِطَ الوحي ومسار مرور واستقرار الأنبياء بدءً من خليل الرَّحمن إبراهيم "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وحتى نبيِّنا ورسولنا مُحَمَّد "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وهي أرض الرِّباط والجهاد المُقدَّس.

وفي حقيقة الأمر؛ فإنَّ هذا الفهم للقضيَّة الفلسطينيَّة، وما يقودنا إليه في صدد ضرورة القِتال تحت راية "لا إله إلا الله مُحَمَّدٌ رسول الله"، العديد من المزايا، ومن بينها أنَّ نَشر هذا الفَهم وإقناع المُسلمين به يعنى أنْ تتحولَ قضيَّةُ فلسطين إلى مشروعٍ لتوحيد أُمَّة الإسلام، على عكس ما أراد المتآمرون على الإسلام حينما أرادوا تمزيق العالم الإسلاميِّ بزرع كيان غريبٍ في قلبه لتمزيقه إلى جناحَيْن معزولَيْن عن بعضهما البعض.

وفي إطار هذا الفهم، وهذه الحقيقة، نستطيع أنْ نُفسِّرَ لماذا يجتهد اليهود وأعوانهم مِن العلمانيِّين أنْ يختزلوا قضية فلسطين في أنَّها قضيَّةٌ عربيَّةٌ أو قضيَّةٌ إقليميَّةٌ، وللإرهابيِّ الصهيونيِّ ديفيد بن جوريون مقولةٌ توضِّح ذلك، يقول فيها: "نحن لا نخشى خطرًا فى المنطقة سوى الإسلام.. إنَّنا نجحنا بجهودنا وجهود أصدقائنا فى إبعاد الإسلام عن معركتنا مع العرب طوال ثلاثين عامًا".

ومِن بين مَعالم إقصاء الإسلام عن المعركة مع اليهود إسقاط الخلافة الإسلاميَّة في النِّصف الأوَّل من عقد العشرينيَّات الماضية، وهو ما كان هدفًا مَرحيليًّا ضمن أهداف سياقات المشروع الصُّهيونيِّ في فلسطين، وعندما دخل المجاهدون مِن الإخوان المسلمين وغيرهم إلى أرض فلسطين، وكادوا أن يقضوا على العصابات الصُّهيونيَّة؛ تدخَّلت الأنظمة العلمانيَّة الحاكمة في العالم العربيِّ، وحاصرت جيوش المُجاهدين، وقتلوا بعضهم، وزجوا بآخرين إلى السُّجون.

وقد تكررت هذه الصُّورة في العديد مِن المراحل التَّالية من مراحل الصِّراع، ففي مصر، وفي العام 1954م، تمَّ ضَرب الحركة الإسلاميَّة، وهو ما مهَّد الطريق لإسرائيل للاعتداء على مصر بالتَّعاون مع فرنسا وبريطانيا خلال العدوان الثُّلاثيِّ في العام 1956م، وتكرر ذلك أيضًا عندما تمَّ ضَرْب الإخوان المسلمين مرَّةً أخرى في العام 1965م، لتخلوا السَّاحة أمام الكيان الصُّهيونيِّ لكي يضربوا ضربتهم الكبرى في العام 1967م، ويحتلوا شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السُّوريَّة، وباقي فلسطين، بما فيها القُدسُ الشَّريف.

وفي زمننا المعاصرِ هذا، وعندما استطاعت حركة المقاومة الإسلاميَّة "حماس" أنْ تصلَ إلى الحُكْمِ بإرادة الشَّعب الفلسطينيِّ في انتخاباتٍ حُرَّةٍ نزيهة؛ تعاقب القوى الدَّوليَّة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وعددٍ مِن بلدان محور الاعتدال العربيِّ على حصار حماس في قطاع غزَّة.

كما أنَّ لنشر هذا الفهم، إسلاميَّة الصِّراع في فلسطين، له أثرٌ كبيرٌ في تقوية عزيمة الفلسطينيِّين، ووقتها سوف يُشْعِرَ المُجاهدون والمُرابطون في فلسطين بأنَّهم أكبر من عددهم الفعليِّ، وأنَّهم ليسوا بضعة مئات آلاف أو ملايين قليلةٍ؛ ولكنَّهم يساوون مليارًا وثُلُثَ المليار مسلم.

وإضافة دول العالم الإسلاميِّ إلى مُعادلة الصِّراع يعني تعميق جبهة المواجهة، ولا تستطيع إسرائيل بمفردها مواجهتها، كما إنَّه يضيف مُقدَّرات باكستان النَّوويَّة إلى مُعادلة الصِّراع، ونشر هذا الفهم يعني تحجيم اليهود كثيرًا، وجعلهم يعيدون النَّظرَ في سياساتهم ومواقفهم.

كذلك؛ فإنَّ تناوُلَ القضيَّة مِن مُنطلقِ أنَّ فلسطينَ مِن أرض الإسلام، ولا يجوز التَّخلِّي عنها بأيِّ صورةٍ مِن الصُّور؛ فهذا يعنى أنَّ هناك العديد مِن الثَّوابت التي لا نستطيع أنْ نتجاوزها ونحن نتعامل مع القضيَّة الفلسطينيَّة، ومن بينها، أنَّه لا يجوز التَّفريط فى شبرٍ مِن أرضِ فلسطين، وهناك العديد من الفتاوى التي صَدَرَتْ عن الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصريَّة وعلماء المسلمين في العقود الماضية مِن الصِّراع، ومن بينها الفتوى التي صدرت في العام 1989م، وشارك فيها الدُّكتور يوسف القرضاوي، والشَّيخ محمد الغزالي والدُّكتور توفيق الواعي والدكتور أحمد العسال والدُّكتور مُحمَّد نعيم ياسين، والدُّكتور همَّام سعيد والدُّكتور عبد الله عزام، والعلامة وحيد الدِّين خان، وغيرهم.

ومن بين ما جاء في هذه الفتاوى، أنَّه ليس لشخصٍ أو لجهةٍ أنْ تُقِرَّ وجود اليهود على أرض فلسطين، أو تتنازل لهم عن أيِّ جزءٍ منها، أو تعترفُ لهم بأيِّ حقٍّ فيها؛ لأنَّ هذا الفِعل يُعتبرُ خيانةً للهِ ورسولِه "صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"، وكذلك خيانةٌ للأمانة التى أُمِرَ المُسلمون بالمحافظة عليها.. قال اللهُ تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)? [سورة الأنفال].

ومن بين هذه الثَّوابت أيضًا أنَّه لا يجوزُ الصُّلحُ مع "إسرائيل"، وهذه فتوىً صدرت من لجنة الفتوى بالأزهر الشَّريف برئاسة الشَّيْخ حسنين مخلوف في يناير من العام 1956م ووقَّع على مشائح من مختلف المذاهب؛ وهم: عيسى منون "شافعيُّ المذهب"، ومحمود شلتوت "حنفيُّ المذهب"، ومُحَمَّدٌ الطَّنِّيخيُّ "مالكيُّ المذهب".

ولقد حرَّمت هذه الفتوى الصُّلح مع إسرائيل، ودَعَتْ المسلمين في كلِّ مكانٍ إلى مُناصرة إخوانهم فى فلسطين، وأقرَّتْ الجهاد سبيلاً وحيدًا لتحرير فلسطين، كما حذَّرَتْ من عقد أحلافٍ أو مُعاهداتٍ مع إسرائيل أو مَن يساندها.

وفي المُقابل، كان لإخراج الإسلام من ساحة القضيَّة، وفَتْحُ المجال أمام التَّيَّارات القوميَّة والتَّوجُّهات العلمانيَّة، وإغلاق باب الجهاد في مواجهة إسرائيل ومن يعاونها؛ فإنَّ اليهود قد حقَّقوا الكثير من المكاسب، ومع دخول العرب في مفاوضاتٍ معها؛ فقد نتج عنها عقد العديد من الاتِّفاقيَّات الاقتصاديَّة والسِّياسيَّة، والتعاون الأمنيِّ، وهو ما أتاح لليهود دعم قوَّتِهم العسكريَّة، التي تحصد الفلسطينيِّين كلَّ يومٍ تقريبًا؛ بل إنَّه بموجِب اتِّفاقيَّات السَّلام الموقعة بين بعض العرب والمسلمين الرَّسميِّين مع إسرائيل؛ فقد أصبح واجبًا على الدِّول العربيَّة و"الإسلاميَّة" إدانة وانتقاد عمليَّات المُقاومة "الإسلاميَّة" داخل الأراضى الفلسطينيَّة.

كما تشوَّهَتْ الكثيرُ من الحقائق، وصارت المقاومة إرهابًا، وصار الاستسلام جنوحًا للسَّلم، وصار الكلام عن الهويَّة الإسلاميَّة لفلسطين ضَرَبًا من الماضي، وأصبح الاستشهاديُّ انتحاريُّ، وأصبحت الاعتداءات الإسرائيليَّة على الفلسطينيِّين "دفاعًا شرعيًّا عن النَّفس" أو "ردًّا على صواريخ المقاومة التي تقتل "المدنيين" الإسرائيليِّين!

هذه الأوضاع تفرض على الجميع البحث عن العديد مِن السُّبُلِ التي يمكن من خلالها مُعالجة الأوضاع التي أدَّتْ إلى هذه الحالة وكلِّ هذه التَّشوُّهات.

وفي البداية في هذا المُقام؛ يجب التَّأكيد على أنَّ الحلَّ ليس في حمل السَّلاح مباشرةً من جانب المؤمنين بعدالة وإسلاميَّة القضيَّة الفلسطينيَّة، والذَّهاب إلى فلسطين، واقتصار الفعل الآن على ذلك؛ حيث إنَّ من دون ذلك الكثير من العوائق؛ بل ويكاد يكون حلاًّ غير رشيدٍ بالفعل، وقبل الاندهاش من هذا الحُكْم؛ نشرح أسباب إطلاقه:

- كم عدد من لديهم هذا الحسُّ في عالمنا العربيِّ والإسلاميُّ؟!.. أغلبيَّة أم أقلِّيَّة؟!..
- هل سوف يجدون عونًا من شباب الأُمَّة الذي غالبيَّتُه إمَّا منحرفٌ أو عاطلٌ أو غير مُؤهَّلٍ فكريًّا لذلك؟..
- هل سوف تسمح لهم الأنظمة الحاكمة بذلك؟؛ أم أنهم سوف يمنعون بدايةً، ويحاكمون إذا عادوا إلى بلادهم انتهاءً؟!.. كما حدث مع العائدين مِن أفغانستان في مصر والجزائر وغيرها من بلدان العالم العربيِّ والإسلاميِّ التي شارك أبناؤها في الجهاد ضد الاحتلال السُّوفيتيِّ هناك..
- هل الظَّرفُ الاجتماعيُّ والسِّياسيُّ السائد في مجتمعاتنا وبلداننا العربيَّة والإسلاميَّة، وعلى المستوى الدَّوليِّ يسمحُ بذلك؟!..

ولذلك؛ فإنَّ مفتاحُ السِّرَّ الأساسيُّ هو التَّربية أوَّلاً، ثُمَّ الإصلاح الشَّامل على مستوى عموم الأُمَّة؛ بشقَّيْه السِّياسيِّ والاجتماعيِّ، وهذه التربية وهذا الإصلاحُ لن يؤتي ثماره إلا من خلال حركةِ تغييرٍ شاملةٍ لمختلف البُنى السِّياسيَّة والاجتماعيَّة والثَّقافيَّة؛ حيث:

؛ ما يقوم به العلماء والدُّعاة من جهودٍ لإصلاح الأخلاقيَّات والقِيَمِ، وترتيب الأولويَّات؛ تُفسده الفضائيَّات والمواقع الصَّفراء والحمراء، ويفسده التَّرهُّل في العمليَّة التَّعليميَّة..
؛ ما يقوم به التَّربويُّون في البيوت والمدارس؛ يُفسده الشَّارع والفقر والانحلال الأسريُّ..
؛ ما يقوم به المثقفون في مراكز البحوث ووسائل الإعلام التي لا تزال تُحافظ على هويَّتِها ومضامينها؛ يفسده الإعلام الرَّسميُّ، ويفنده مثقفو السُّلطان..

والمُؤسفُ أنَّ الحكومات تُشارك في ذلك التَّدمير المُمَنْهج لعقليَّات الجيل الجديد؛ حرصًا منها على عدم نشوءِ جيلٍ ينازعها السُّلطان عندما يُدرِكُ فسادها وترهلها وديكتاتوريَّتَها، وتنفيذًا أيضًا لأجندات الخارج، وكلُّ في سبيل الحفاظ على استمرارها في الحُكم.

وهو ما يؤكِّد أنَّ التَّغيير الجِذريَّ هو الحل الوحيد لهذه المشكلة، ولكن على وجه العموم يُمكن تقسيم هذا الإطار إلى نَوعَيْن مِن الأهداف والتَّحرُّكات؛ أهدافٌ وتحركاتٌ مرحليَّةٌ وأخرى مُستقبليَّةٌ، ومن بين الأهداف المرحليَّةِ في هذا السِّياق:

- محاولة تَربية جيلٍ جديدٍ يقود المسيرة، وينتشر وينمو عدده بمرور الوقت، والمحافظة عليه من الانحرافات الموجودة بالفعل؛ تربيةً تقوم على أساس غَرْسِ قِيَمِ ومبادئ الإسلام في نفوس هذا الجيل، وتحميله الأمانة بعد إتمام هذه العمليَّة.

- تصويب المفاهيم المغلوطة مِن خلال الإعلام النَّزيه ومراكز البحوث ذات التَّوجُّه والرِّسالة الإسلاميَّة، ومواجهة وسائل الإعلام المُختلفة التي تعمل في خدمة المشروع الصُّهيونيِّ مِن خلال الكلمة والتَّوجيه المعنويِّ.

- إعادة الاعتبار لمفاهيم إسلاميَّة الصِّراع مع اليهود، وموجباته على العرب والمسلمين؛ وليس على الفلسطينيِّين فحسب.

هذه الإجراءات أبعادٌ إجرائيَّةٌ وعمليَّةٌ على أرض الواقع، ومن بينها:

- افتتاح المدارس.
- تأسيس وسائل الإعلام ومراكز البحوث.
- تحسين مُستوى حركة الدُّعاة وسط الجماهير.
- تحقيق انتشارٍ أفضل للمُربِّين والمعلِّمين المؤمنين بالفكرة في المدارس وفي أندية الشَّباب ومُختلف الأوساط التي ينتشرُ فيها الشَّباب والمراهقون.

وإذا ما نظرنا إلى تجارب السَّابقين مِن رموز الأُمَّة الذين قادوها إلى النَّصر سوف نجد أنَّهم قد قاموا بمثلِ هذه الإستراتيجيَّة؛ ففي كتابه "الطَّريق إلى القدس" يقول الدُّكتور مُحْسِن مُحَمَّدٍ صالح، إنَّ عوامل النَّصر التي اتبعها هؤلاء، تتمثَّل في الآتي:

- القيادة الإسلاميَّة الصَّادقة.
- العمل على تحقيق الوحدة الإسلاميَّة.
- الإلتزام بأحكام الإسلام وبتطبيقها.
- البناءُ الإيمانيُّ والتَّربويُّ والثَّقافيُّ للمسلمين.
- الإعمارُ والبناءُ الحضاريُّ والاجتماعيُّ.
- البناءُ الاقتصاديُّ، في شقَّيْن؛ الأوَّل هو بناء قوَّة الأُمَّة الذَّاتيَّة في هذا المجال، والثَّاني هو إنهاك العدو اقتصاديًّا من خلال المقاطعة.
- البناءُ الجهاديُّ والعسكريُّ، وهو بدوره في شقَّيْن؛ الأوَّل بناء قوَّة الأُمَّة الذَّاتيَّة، والثَّاني هو إنهاك العدو في ميدان المعركة، من خلال الانطلاق مِن قاعدة قويَّةٍ ومأمونةٍ، ووضوح الهدف من الجهاد العسكريّ، وإعداد المُجتمع للحرب.

وبطبيعة الحال؛ فإن بعض هذه الأهداف لن يتحقق بسهولةٍ، ويجب العضُّ عليه بالنَّواجذ، كما أنَّ بعضها لن يتحقَّق إلا بعد تحقيق سلسلة الأهداف المستقبليَّة بعيدة المدى، وهي إحداث التَّغيير الجذريِّ في قيادة الأُمَّة ذاتها؛ حيث إنَّ كل هذه الإجراءات، في تجارب المسلمين التَّاريخيَّة قادها إمَّا علماء الأُمَّة أو قياداتها السِّياسيَّة.

الخطبة الثانية: أهمِّيَّة فكرة صناعة الأمة المُقاوِمَة ودور الإعلام:

برغم كلِّ الصُّعوبات التي سوف تواجه فصائل المُقاومة السِّياسيَّة والتَّربويَّة والدَّعويَّة، مثلما تُواجه حاليا فصائل المُقاومة العسكريَّة؛ فإنَّ هناك العديد مِن الآليَّات التي يُمكنُ من خلالها القَفْزُ على الكثير مِن هذه الصُّعوبات، ومن بينها الآليَّات الإعلاميَّة.

وتعني المُقاومة الإعلاميَّة ذلك النَّشاطَ الإعلاميُّ الذي يُقاوم الغزو والعدوان على الأُمَّة بكلِّ صوره، ويعمل على مُواجهة الهيمنة والتَّبعيَّة والاختراق، ويُقدِّم، في المُقابل، رسالةَ الأُمَّة وقضاياها ذات العلاقة، مِن خلال وسائل الإعلام المُختلفة، وخصوصًا فيما يتعلَّق بتأصيل فكرة أنَّ المُقاومة المُسلَّحة وغير المُسلَّحة في مواجهة الاحتلال مشروعةٌ لجميع أبناء الشُّعوب المُحتلَّة، باعتباره فرض عَيْنٍ في الشَّريعة الإسلاميَّة، ومشروعٌ في القانون الدَّوليُّ.

وبرغم مُختلف الصُّعوبات والتَّحدِّيات التي تُواجهه؛ استطاع الإعلام المُقاوِم أنْ يوصِّلَ رسالته وقضيَّتِه العادلة، إلى الرَّأي العام بمختلف مستوياته؛ المحلِّيُّ والعربيُّ والعالميُّ، وحتى إلى داخل الولايات المتحدة وأوروبا الغربيَّة ذاتها؛ حيث استطاع أنْ يكسبَ تأييد شرائح عديدةٍ لصالح قضيَّته، كما في بدا في حرب غزَّة شتاء 2008/2009م، وفي الحصار المفروض على القطاع، وكذلك فيما يخصُّ الحرب على العراق.

كما إنَّه بلا شكَّ، استطاع الإعلام الجهاديُّ المقاوِم أنْ يُعيدَ التَّوازُن إلى ساحة حرب المصطلحات، من خلال عرض المفاهيم والمصطلحات الصَّحيحة، والرَّدُّ على ما تطلقه أبواق الدَّعاية الأخرى فيما يُعرَفُ بالإعلام المُتَصَهْيِن.

ومن بين المهام التي يُمكن أنْ يقومَ بها الإعلام المُقاوِم في هذا المجال:

- تأصيل الدَّافع الإسلاميِّ للصِّراع، واعتباره مِن أقوى الدَّوافع لمقاومة الاحتلال، باعتبار أنَّ ذلك أساسُه الدِّين.

- تشكيل رأيٍ عامٍّ يُؤيِّدُ المُقاومة، مِن خلال نَشر ثقافة المقاومة، وهو ما لن يتحقَّقَ إلا من خلال العملِ الجادِّ، والنِّضال مِن أجلِ حُرِّيَّة التعَّبير، وحماية حقوق الإنسان العربيِّ والمسلم في التَّعبير عن رأيه، والاتصال بالجماهير، ودخول ميدان حرب الأفكار، وصناعة رأيٍ عامٍّ يتقبَّل رسالتها ويناصر قضاياها.

...............؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛؛

وفي الأخير، فإنَّه على إعلام المقاومة، وجميع المُنخرطين في مشروع المُقاومة بمختلف صُوَرِه، استثمار مُختلف طاقات الأُمَّة وإمكانيَّاتها، وتوظيف الكفاءات والخبرات، كلٌّ في مجالِ عملِه، مع ضرورة أنْ يتحمَّلَ مُختلف العاملين في حقل المقاومة، أيًّا كان المجال الذي يعملون فيه، مسئوليَّة تنفيذ المُخطَّطات الموضوعة على مختلف المستويات الإعلاميَّة والسِّياسيَّة والتَّربويَّة والدَّعويَّة، وتنظيم الجهود ما بين العاملين في هذا المجال، حتى الوصول إلى ما يُشبه قيادةٍ مُوحَّدَةٍ للمقاومة الشَّاملة في العالم الإسلاميِّ.

وفي حقيقة الأمر؛ أنَّه حتى من دون قضيَّة فلسطين واعتباراتها؛ فإنَّ الواقع الرَّاهن الذي تعيشه الأُمَّة تفرض على الجميع، بلا استثناء، العمل على تقديم موجبات نهوض هذه الأُمَّة من كبوتها؛ لاستعادة خير أُمَّةٍ لصالح أبنائها، ولصالح الإنسانيَّة كافَّةٍ.





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى