logo
 بحـث    
 
 
معلومات عن الجيب الاستيطاني بالخليل

استطلاع رأى   
  
   
 

التطبيع.. المفهوم والتاريخ وسُبُل المواجهة
2017/10/28

أحمد التلاوي

تُعرف "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل" التطبيعَ على أنه "المُشاركة في أي مشروع أو مبادرة أو نشاط، محلي أو دولي، مُصممٌ خصيصًا للجمع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر بين فلسطينيين، و/ أو عرب، وإسرائيليين، أفرادًا كانوا أم مُؤسسات، ولا يهدف- أي هذا المشروع أو النشاط- صراحةً إلى مقاومة أو فضح الاحتلال وكل أشكال التمييز والاضطهاد الممارس بحق الشعب الفلسطيني".

بينما تُعرف بعض الأوساط الأكاديمية والثقافية الفلسطينية الأخرى التطبيع، بالنسبة للعلاقات بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل، على أنه: "قيام هذه الدول أو مُؤسساتها أو أشخاصها بتنفيذ مشاريعَ تعاونية ومبادلات تجارية واقتصادية، في غياب استتباب السلام العادل، وذلك إخلالاً بالموقف السياسي التاريخي لتلك الدول، والقائل بأن مُقاطعة الدول العربية لإسرائيل يجب أنْ تستمر حتى يتحقق ذلك السلام العادل، بل وكوسيلة ضغط لتحقيقه".

وفي هذا الإطار فإن "التطبيع" يُعتَبَر سماحٌ بتطوير علاقات طبيعية بين المُعتدي والمُعْتَدَى عليه في غياب العدالة، أي في وضع "غير طبيعي"، يتناقض مع فحوى كلمة "تطبيع" [Normalization]، أي جَعْل العلاقات "طبيعية بين طرفَيْن".

وتُعتبر الأنشطة الاقتصادية والتجارية والعلمية والثقافية، وكذلك العلاقات ما بين فئات بعينها مثل الشباب والمرأة ورجال الأعمال، هي أبرز أشكال التطبيع، الذي يتم في صورة مشروعات أو مهرجانات أو فعاليات أخرى مُشتركة.

وتنطبق التعريفات السابقة على الأنشطة التالية، كما حددتها "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل":

1. إقامة أي نشاط أو مشروع يهدف لتحقيق ما يُعرَف بـ"السلام" في الأدبيات العامة، ولكن من دون الاتفاق على الحقوق الفلسطينية الأساسية غير القابلة للتصرُّف بحسب القانون الدولي، مثل حق تقرير المصير وحق العودة بموجب قرارات الأمم المتحدة، وعلى رأسها القرار رقم "194" الصادر في العام 1948م، وعلى أسس من العدالة والمشروعية.

2. إقامة أي نشاط أو مشروع، يدعو له طرف ثالث أو يفرضه هذا الطرَف على العرب والفلسطينيين، ويساوي هذا النشاط أو المشروع بين الطرفَيْن، الإسرائيلي أو الفلسطيني والعربي، في المسئولية عن الصراع في الشرق الأوسط.

3. إقامة أي مشروع يُغطي على وضع الشعب الفلسطيني كضحية للمشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين، أو يغطي على حقائق الصراع التاريخية، أو يتجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، أو في العودة.

4. مُشاركة عربَ أو فلسطينيين، مُؤسسات كانوا أو أفرادًا، في مشروع أو نشاط يُقام داخل إسرائيل أو في الخارج مدعوم من أو بالشراكة مع مُؤسسة إسرائيلية لا تُقرُّ علنًا بالحقوق المشروعة للفلسطينيين، أو تتلقى دعمًا أو تمويلاً من الحكومة الإسرائيلية.

وعلى الرغم من التحديد السابق للمفاهيم الخاصة بالتطبيع، إلا أن هناك خلافًا كبيرًا حول وضع الفلسطينيين في الداخل المحتل في العام 1948م، أو في الأراضي المُحتلة في العام 1967م؛ حيث لا يرى البعض في أي علاقة بينهم وبين إسرائيل ومُؤسساتها الرسمية وشركاتها وما إلى ذلك؛ حيث رأى البعض أن هذه العلاقة تدخُل في حكم الضرورة بواقع ظروف الاحتلال، إلا أن بعض الأطراف التي تُعارض التطبيع مع إسرائيل، تقول بضرورة مقاطعة هذه الفئات أيضًا للكيان الصُّهيوني.

تاريخ التطبيع حتى التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية:

هناك أزمة مفاهيمَ كبيرة يُعاني منها العالم العربي، ومن أكثر المفاهيم جدلاً، هو مفهوم "السلام"، والذي كثيرًا ما يَستخدم القادة السياسيين العرب بعض النُّصوص الدينية لتبرير سلوك "السلام" مع إسرائيل، ولكن بشكل فيه العديد من المغالطات، ومن بين هذه النُّصوص قول الله تعالى في كتابه الكريم: ?وَإنْ جَنَحُواْ للسلْم فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكلَ على الله إنهُ هُوَ السميعُ الْعَليمُ? [سورة الأنفال: الآية 61].

فقد تم تطبيق مبدأ الجنوح من جانب للسلام من جانب العرب من دون النظر إلى ما إذا كان الآخر قد جنح لللسلم بدوره، مع العلم أنه لم يمرُّ عقدٌ من الزمان منذ العام 1948م، وحتى الآن بدون حرب تَشنُّها إسرائيل على بلد عربي أو ضد الفلسطينيين [1956م ضد مصر وغزة/ 1967م ضد مصر والأردن وسوريا/ 1979م ضد لبنان والفلسطينيين/ 1982م ضد لبنان والفلسطينيين/ 1995م ضد لبنان/ 2008/2009م ضد غزة]، بخلاف فترات الانتفاضتَيْن الأولى والثانية، في الثمانينيات والتسعينيات، وفي الألفية الجديدة، وضد المقاومة الفلسطينية في الأردن ولبنان في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات.

وفي هذا الإطار، ثمة خطأ تاريخي نقع جميعًا فيه، وهو أن التطبيع بدأ بين العرب وإسرائيل بعد اتفاقيات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل في العام 1978م، فقد بدأ قبل ذلك بعقود طويلة، وتحديدًا بعد هزيمة الجيوش العربية التي شاركت في حرب 1948م في فلسطين، عندما وافقت الحكومات العربية على البَدء في مفاوضات للتوصُّل إلى اتفاق هدنة مع الكيان الصُّهيوني الوليد في جزيرة رودس في 13 يناير 1949م، تحت إشراف رالف بانش مُمثل الأمم المتحدة، واستمرتْ حتى يوليو من العام نفسه، وبنتيجتها وقعت كل من مصر والأردن ولبنان وسوريا على اتفاقات مع الكيان الصُّهيوني نصت على عدم استخدام القُوة العسكرية في تسوية مشكلة فلسطين وعدم قيام القوات المسلحة لأي من الفريقَيْن بأي عمل عدائي أو التخطيط لمثل هذا العمل أو التهديد به.

وأنتجت هذه المفاوضات ووثائقها التي تمخضت عنها، نوعًا من الاعتراف القانوني والواقعي من جانب حكومات هذه البلدان بإسرائيل.

وعندما شكلتْ الأمم المتحدة لجنة التوفيق الخاصة بفلسطين في ديسمبر 1948م، وكانت مُشكلةٌ من الولايات المتحدة وفرنسا وتركيا، كان من ضمن مهامها العمل على تنفيذ القرار "194" الخاص بحق العودة وتعويض من لا يرغب في العودة من اللاجئين الفلسطينيين، دعت لجنة التوفيق إلى اجتماع في لوزان في العام 1949م، حضرته الدول التي وقعت اتفاقات الهدنة، واستمر من أبريل إلى سبتمبر 1949م، وفي نهايته وقعت الوفود العربية مع الكيان الصهيوني على بروتوكول "لوزان" الخاص باللاجئين، وأُرْفقَ به القرار رقم "181" الصادر في نوفمبر من العام 1947م، عن الجمعية العامة للأمم المتحدة، والمعروف باسم قرار تقسيم فلسطين.

وكان توقيع الحكومات العربية الأربع على اتفاقيات الهدنة وعلى بروتوكول لوزان بمثابة إقرار بوجود إسرائيل، وبموافقتها على مشروع التقسيم، وعلى هذا الأساس أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1949م قرارًا بقبول انضمام إسرائيل إلى الأمم المتحدة.

وبعد العدوان الثُّلاثي في العام 1956م، وافقتْ حكومة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر على وقف إطلاق النار، كان من بين شروطه السماح للسُّفن الإسرائيلية بالمرور في خليج العقبة المصري، وكان ذلك، من وجهة نظر الكثير من المؤرخين أول نمط من أنماط التطبيع بين العرب وإسرائيل.

وبعد حرب يونيو 1967م، والتي استولى فيها الجيش الصُّهيونيُّ على شبه جزيرة سيناء المصرية وقطاع غزة والضفة الغربية الفلسطينييْن، بالإضافة إلى هضبة الجولان السُّورية، وافق العرب على القرار "242" الصادر في 22 نوفمبر 1967م، عن مجلس الأمن الدولي، وكان من بين ما ينصُّ عليه هو بدء مفاوضات لإحلال السلام في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل.

وفي التاسع من ديسمبر من العام 1969م، طرح وزير الخارجية الأمريكيُّ وليليام روجرز مبادرته الشهيرة التي أوقفتْ حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية، والتي تم تعديلها بالصيغة التي قبلتها مصر في 23 يوليو من العام 1969م، وأعطتْ هدنةٌ لمدة ثلاثة أشهر بين مصر وإسرائيل، وتُعْتَبر المبادرة، من وجهة نظر الكثيرين هي أول الطريق الذي قاد بعد ذلك إلى كامب ديفيد ومدريد وأسلو بين العرب وإسرائيل.

وبعد حرب رمضان/ أكتوبر 1973م، بَعَثَ وزير الخارجية الأمريكيُّ هنري كيسنجر إلى الرئيس المصري أنور السادات عن طريق مسشاره للأمن القومي حافظ إسماعيل، رسالةً من رئيسة الوزراء الإسرائيلية جولدا مائير تُبدي فيها استعداد الكيان الصُّهيوني للدُّخول الفوري في مباحثات مع المصريين حول كيفية معالجة حصار الجيش الثاني المصري للقوات الإسرائيلية غربي القناة، وحصار الجيش الإسرائيلي للجيش الثالث المصري شرق القناة، وفك حصار السويس.

وفي الإطار عُقدَتْ بين مصر وإسرائيل سلسلةً من المحادثات ذات الطابع العسكري، كانت أولها محادثات الكيلو 101 في أكتوبر 1973م، ثم محادثات فك الاشتباك الأول في يناير 1974م، وفك الاشتباك الثاني في سبتمبر 1975م.

وفي العام 1978م، نجحت الولايات المتحدة في حَمْل مصر وإسرائيل على التوقيع على اتفاقيتَيْ كامب ديفيد الشهيرتَيْن، واللتَيْن كانتا أول الطريق على توقيع اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في مارس 1979م، والتي تنصُّ المادة الأولى منها، وفي فقرتها الثالثة على أنه عند إتمام الانسحاب الإسرائيلي المرحلي المنصوص عليه في المُلحق الأول من الاتفاقية من سيناء "يُقيم الطرفان علاقات طبيعيةً ووُديةً".

وفي الإطار أقامتْ مصر مع إسرائيل علاقات دبلوماسيةً طبيعيةً، بالإضافة إلى العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والتجارية وعلى رأسها اتفاقية المناطق الصناعية المُؤهلة "الكويز" مع الولايات المتحدة، في العام 2004م، والتي تنصُّ على منح إعفاءات جمركية لمنتجات الملابس في بعض المناطق الصناعية المصرية، شريطة أنْ يكون من مُكونُها 11.7% منتجٌ إسرائيليٌّ، وتم البدء بثلاثة مناطق، هي: القاهرة الكبرى ومنطقة الإسكندرية في برج العرب والعامرية، والمدينة الصناعية ببورسعيد.

وذلك بجانب اتفاق تصدير الغاز الطبيعي المصري إلى إسرائيل، التي وقعتها الحكومة المصرية مع إسرائيل في العام 2005م، ويقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنويًّا من الغاز الطبيعي المصري لإسرائيل، لمٌدة 20 عامًا، بسعر يتراوح ما بين 70 سنتا إلى 1.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية، بينما يصل سعر التكلُفة إلى 2.65 دولار، وهو ما أثار حملة معارضة واسعة النطاق في مصر ضد هذا الاتفاق.

وفي الإطار، وبعد اتفاقيات أوسلو بين مُنظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي بدأت باتفاق إعلان المبادئ في سبتمبر 1993م، وبعد اتفاقية وادي عربة في العام 1994م، بين الأردن وإسرائيل، تسارعت وتيرة التطبيع بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل؛ حيث وقعت الأردن على اتفاق "الكويز" الخاص بها في العام 1996م، وافتتحت إسرائيل مكاتب تمثيل تجاري لها في بعض الدول العربية، كما في قطر وتونس.

وتُعْتَبَرُ هذه الاتفاقيات تطبيقًا لتصوُّرات الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز في كتابه "الشرق الأوسط الجديد"، والذي تحدث فيه عن شرق أوسط تتكامل فيه الشعوب لتُنشئ كيانًا اقتصاديًّا مُتكاملاً برؤوس أموال خليجية وأيدي عاملة مصرية وعراقية وسورية والإدارة فيه للإسرائيليين، وبالفعل تم عقد خمس جولات من المحاثات بين الدول العربية وإسرائيل، في صورة مؤتمرات اقتصادية بدأت في مصر وانتهت في قطر، ولكن تعطُّل عملية التسوية بين الفلسطينيين وإسرائيل بعد واي ريفر في العام 1998م، واندلاع انتفاضة الأقصى الثانية في العام 2000م، أدت إلى وقف هذا الحراك.

وقد استغلت إسرائيل الحراك الذي ولدته التسوية، وخصوصًا بعد توقيع الطرَف الأساسي للصراع، وهو الفلسطينيين، لاتفاقيات تسوية مع إسرائيل، اعترفت بمقتضاها مُنظمة التحرير الفلسطينية بإسرائيل، لتوسيع نطاق انتشارها الدبلوماسي على مستوى العالم الإسلامي بأكمله.

فقد استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إرييل شارون للدوي الإعلامي الذي أحدثه الانسحاب الإسرائيليُّ أحاديُّ الجانب من غزة في سبتمبر 2005م، وقام بحملة علاقات عامة في أوساط عدد من خلال الدورة السنوية للأمم المتحدة في ذات التوقيت، والتقى وزراء خارجية كل من باكستان وإندونيسيا.

كما توسعت علاقات إسرائيل في عهد شارون ومن تلاه من رؤساء وزارة مع جمهوريات آسيا الوسطى الإسلامية الخمس المستقلة عن الاتحاد السُّوفيتي السابق، وخصوصًا أذربيجان وطاجيكستان؛ حيث وصل التعاون بين الجانبَيْن إلى المستوى العسكري، بالإضافة إلى التعاون في المجالات الزراعية والصناعية.

ولكي نفهم طبيعة الصُّورة الحقيقية لتأثيرات التسوية في دفع التطبيع بين العالم العربي والإسلامي وبين إسرائيل، فإنه من المهم النظر في التطورات التي طرأت على ملف التطبيع والمقاطعة، التي تُعتبر الوجه الآخر لملف التطبيع، في مرحلة ما بعد انطلاق عملية مدريد في أكتوبر 1991م.

فانطلاقًا من حقيقة أن غالبية الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة خصوصًا، في مرحلة ما بعد مدريد هدفت إلى دمج الاقتصاد الإسرائيلي في الاقتصاد العالمي، وتحويل إسرائيل إلى مركز للتحكُّم في لاقتصاد العولمة في منطقة الشرق الأوسط، كان ولا يزال للبعد الاقتصادي الأولوية في مسار العلاقات الإقليمية.

وفي الإطار نجحت إسرائيل بعد ضغوط كبيرة قامت بها واشنطن أيام بوش الاب، وبيل كلينتون، في إنهاء المُقاطعة الاقتصادية العربية لإسرائيل والشركات والمٌؤسسات والشركات التي تتعامل معها، فعليًّا.

ففي العام 2000، قال التقرير السنويُّ لمكتب التجارة الأمريكي الذي صدر في 31 مارس من ذلك العام: "إنه بشأن الحواجز التجارية، فإن مصر لم تُطبق أي وجه من أوجه المقاطعة الرسمية منذ عام 1980م، تطبيقًا لمعاهدة السلام مع إسرائيل التي وُقعَت عام 1979م، وأنهى الأردن رسميًّا التزامه بجميع أوجه المقاطعة، وأصبح ذلك ساري المفعول منذ 16 أغسطس 1998م، وذلك لدى تطبيق التشريع الخاص بتنفيذ معاهدته للسلام مع إسرائيل".

وأضاف التقرير أن السُّلطة الفلسطينية وافقت على عدم تطبيق المقاطعة في كتاب وُجه في العام 1998م إلى ميكي كانتور، المُمثل التجاري للولايات المتحدة حينئذ، كما أعلنت الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (وهي: السعودية، والبحرين، والكويت، وسلطنة عُمان، وقطر، والإمارات) في سبتمبر 1994م، عدم التزامها بالمقاطعة من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة"، أي فيما يخصًُّ الشركات التي تتعامل مع إسرائيل أو لها أفرعٌ فيها.

وذكر التقرير أنه في العام 1996م، أنهت كل من سلطنة عُمان وقطر تطبيق المقاطعة، وأسست ترتيبات تجارية مُتبادلة مع إسرائيل، كما توقفت عددٌ من الدول العربية الأخرى عن تنفيذ المقاطعة، وهي: المغرب، وموريتانيا التي اعترفت بإسرائيل في عهد الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع وأقامت علاقات دبلوماسيةً كاملةً معها في العام 2005م، حتى أنهاها الرئيس الموريتانيُّ الحاليُّ محمد ولد عبد العزيز، وتونس التي اعترفت بإسرائيل من خلال إقامة علاقات دبلوماسية محدودة، وكذلك اليمن التي تخلت رسميًّا عن تطبيق المقاطعة من الدرجتَيْن الثانية والثالثة في العام 1995م.

أما الجزائر فإنها ما زالت تلتزم بالمقاطعة رسميًّا، ولكن ليس من خلال الممارسة، مثلها مثل لبنان؛ حيث أنهت كلا البلدَين كافة أشكال المقاطعة، باستثناء إقامة علاقات اقتصادية مع إسرائيل.

وقد هدفت إسرائيل من وراء ذلك إلى تحقيق أمرين أو هدفَيْن أساسييْن، الأول تحجيم الآثار الاقتصادية للمقاطعة، والتي قُدرت بأكثر من مليار دولار سنويا، وتحديدًا 53 مليار دولار على مدى 45 عامًا، والثاني إزالة أكبر عقبة من أمام الشركات الأجنبية الراغبة في الاستثمار في إسرائيل، والتي قُدرت خسائر إسرائيل منها نحو 41 مليار دولار إضافية في ذات الفترة، والتي عوضت الإدارات الأمريكية المتعاقبة إسرائيل عنها من خلال ما مجموعه 75 مليار دولار من المساعدات السنوية خلال الفترة ما بين العام 1951م إلى العام 1998م.

كما ساعدت التسوية إسرائيل على تحسين مستوى علافاتها الدبلوماسية مع بلدان العالم المختلفة؛ فمنذ مؤتمر مدريد في 1991م، وحتى مطلع الألفية الجديدة، أقامت إسرائيل علاقات دبلوماسية مع 62 دولة في عقد واحد فقط، كان من بين هذه الدول روسيا والصين والهند وإندونيسيا وطاجيكستان، والتي تضم ما يقرب من نصف عدد سكان الأرض تقريبًا.

وقد ساعدت هذه الأوضاع على تحقيق الكثير للاقتصاد الإسرائيلي وللأمن القومي للكيان الصُّهيوني ككل، ومن بينها:

1. زيادة تدفُّق المهاجرين إلى إسرائيل، وخصوصًا من روسيا بكل ما فيهم من عمالة ماهرة وأكاديميين وعلماء؛ حيث وصل مليون مهاجر روسي فقط إلى إسرائيل بعد مدريد.

2. تدفُّق الاستثمارات الخارجية على إسرائيل، والتي لم تكن تزيد على 400 مليون دولار عام 1991م، زادت أكثر من خمسة أضعاف بعد ذلك، ففي العام 1996م بلغت حوالي 2.9 مليار دولار، وفي عام 1997م بلغت قيمتها نحو 3.6 مليار دولار، وأكثر من 15 مليار دولار حاليًا، وهي أرقام تُعادل أضعاف قيمة الاستثمارات الأجنبية التي تتدفق على مصر.

وبحسب الإحصائيات الصادرة عن "بنك إسرائيل"- البنك المركزيُّ هناك- فإن قيمة الأموال المُتدفقة من الخارج والتي دخلت إسرائيل بشكل رسمي من العام 1990م، وحتى العام 1999م، بلغت حوالي 75 مليار دولار، وشهدت ارتفاعًا مطردًا من عام لآخر، باستثناء بعض سنوات حكم إسحاق شامير في العام 1991م، وبنيامين نتنياهو في العامين 1997م و1998.

3. ارتفاع حجم الناتج الإجمالي الإسرائيلي السنوي، لمستويات أكبر من الناتج المحلي لإندونيسيا التي يبلغ عدد سكانها حوالي 230 مليون نسمة، والناتج الإجمالي لمصر، التي يصل عدد سُكانها إلى 82 مليون نسمة، وذات النتائج سرت على الموازنة العامة الإسرائيلية، التي تطورت من 49 مليار دولار عام 1995م، إلى نحو 53 مليار عام 1999م، إلى حوالي 70 مليار دولار في العام 2009/2010م.

4. تحسين مستوى العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل ودول العالم المختلفة؛ فبعد سنة واحدة على اتفاق أوسلو في العام 1993م، زادت الصادرات الإسرائيلية للبلدان الآسيوية بمقدار 33%، وأصبحت تعادل حوالي 13% من مُجمل الصادرات الإسرائيلية، مع تحسين مستوى البيئة الأمنية داخل إسرائيل بشكل جعل إسرائيل أحد أهم الوجهات السياحية في المنطقة.

كما شكل انضمام الدول العربية والإسلامية لمنظمة التجارة العالمية، عاملاً إضافيًّا لإضعاف أثر المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل وزيادة مساحة التطبيع؛ حيث تنص لوائح المُنظمة على عدم التمييز بين الدول في انسياب حركة التجارة العالمية، بما في ذلك إسرائيل، في مقابل عدم استغلال الدول العربية والإسلامية باب "الاستثناءات والمزايا" التي تسمح للدولة العضو بممارسة إجراءات خاصة ضد أي طرف عضو في المُنظمة.

توصياتٌ:

بكل تأكيد، فإن للحكومات حساباتها، ولذلك لا يمكن تقديم توصيات تتعلق بجهود الحكومات في هذا المُقام؛ حيث انعدم الأمل فيها، وبَقيَ الأمل في جهتَيْن رسميتَيْن في العالم العربي والإسلامي لوقف قطار التطبيع.

الأولى هي جامعة الدول العربية؛ حيث يجب على أمانة الجامعة تفعيل عمل مكتب المقاطعة، والإعلان عن الدول والشركات المُطبعة؛حيث لا يزال خيار المقاطعة هو الخيار الرسمي للجامعة، أما الطرف الثاني فهو حكومة تركيا الإسلامية؛ حيث يجب عليها استكمال ما بدأته في صدد تحجيم علاقات تركيا مع إسرائيل، على النحو الفج الذي سارت عليه حكومات حزب الشعب الجمهوري التُّركي العلماني السابقة.

المُهمة الأكبر إذن على عاتق الشُّعوب..

على أئمة المساجد في التعريف بالمخالفة الشرعية الواقعة في التطبيع مع إسرائيل...

على الصحفيين والإعلاميين في جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن الحكومات والشركات التي تدعم إسرائيل وآلتها العسكرية المُجرمة...

على المُثقفين في تنوير الناس بأن كل دولار يدفعونه لإسرائيل يخدم آلتها العسكرية ومشروعاتها الاستيطانية ويدعم إجرامها ضد الفلسطينيين...

على مُؤسسات المجتمع المدني في فضح هذه الحكومات والشركات، وفي استمرار الدعوة إلى مقاطعة إسرائيل...

على الشُّعوب في التحرُّك للضغط على حكوماتها في الشارع وفي النقابات والأحزاب وغيرها من منافذ العمل الشعبي العام، من أجل وقف حركة قطاع التطبيع..

وبدون ذلك الجهد الشعبي، وبدون مواجهة قطار التطبيع الجامح، واتفاقيات التسوية الباطلة التي فكت زمامه، فإننا سوف نفاجئ بعد أشهر قليلة أو سنوات قادمة، بأن حديد العرب ودولارات العرب قد أصبحت عبارةٌ عن مكونات في دبابة إسرائيلية وطائرة إسرائيلية تقتل شعوبنا داخل حدودنا هذه المرة!!





الرئيسية     عن الموقع     اتصل بنا    
كــافة الحقوق محفوظة لمنبر الأقصى